وزير صناعة حرب أكتوبر.. من هو إبراهيم سالم محمدين قبل أن يعرف الناس «الدخيلة»؟
قبل أن يُختصر اسمه في قضية أو يُربط بصراع أسهم، كان هناك مهندس مصري تُسند إليه وزارة الصناعة في أصعب وأدق لحظات التاريخ المصري الحديث: مارس 1973.
وحين تُذكر كلمة «الدخيلة» اليوم في وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، يقفز إلى أذهان الكثيرين اسم أحمد عز، أو صراع الأسهم، أو تفاصيل القضايا التي تلت ثورة يناير 2011، لكن هناك سؤالًا غاب عن الذاكرة العامة لسنوات طويلة: من هو إبراهيم سالم محمدين قبل أن تبدأ قصة الدخيلة أصلًا؟
وثيقة نيويورك تايمز.. مارس 1973

في 28 مارس 1973، وقبل أشهر قليلة من ملحمة عبور أكتوبر، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» (The New York Times) الأمريكية خبرًا رئيسيًا عن التشكيل الوزاري الجديد في مصر برئاسة الرئيس أنور السادات، وتولي عبد العزيز حجازي منصب نائب رئيس الوزراء.
وفي قلب هذا التقرير الدولي، ورد اسم إبراهيم سالم محمدين كوزير جديد للصناعة والتصنيع، ووصفته الصحيفة الأمريكية بـ "المتخصص التكنوقراط" الذي جُلب لإدارة واحدة من أهم القطاعات الحيوية في دولة تجهز نفسها للحرب.
لم يكن الرجل وقتها يرتدي عباءة سياسية، ولم يكن طامحًا في نفوذ؛ كان مهندسًا وتكنوقراطيًا بحتًا خرج من مصانع غزل المحلة والشركة الأهلية للغزل، ليتولى إدارة قاطرة الصناعة المصرية في وقت كانت الدولة فيه توجه كل جنيهًا وكل مصنع لدعم المجهود الحربي والقوات المسلحة.
بناء الصناعة قبل عصر «رجال الأعمال»
هذا الجيل من المهندسين والتكنوقراط لم يعرف مفهوم "الاستحواذ"، ولا "المجموعات المالية المغلقة، كان إبراهيم سالم محمدين يتعامل مع المصانع باعتبارها أصولًا قومية ومجتمعات إنسانية، يُنشئ المصنع، ويُقيم حوله المساكن، والمستشفيات، والمدارس، والمساجد، لتستقر أسر العمال وتنمو حول المشروع.
وحين خرج من الوزارة، لم يذهب للراحة، وحين أُسست شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب (الدخيلة) في الثمانينيات، استُدعي الرجل ليضع خبرته الطويلة في تأسيس هذا الصرح الجديد.
كان قد تجاوز الستين من عمره وقتها، وقاد مرحلة التأسيس الصعبة، واجتذب الشركاء اليابانيين ومؤسسات التمويل الدولية، وبنى المصنع والمدينة العمالية ومسجدها الشهير (1985)، ليتحول المشروع من مجرد فكرة على الورق إلى أكبر صرح لصناعة الصلب في المنطقة.
لماذا يجب أن نعرف هذه الصفحة؟
أن تفهم من هو إبراهيم سالم محمدين قبل عام 2000، يعني أن تفهم حجم المأساة الإنسانية والتاريخية التي حدثت لاحقًا.
نحن لا نتحدث عن مدير أتى به استثمار طارئ، ولا عن رجل أفرزته الصفقات السياسية، بل عن قامة من قامات جيل البناة والأبطال والتكنوقراط الذين أداروا اقتصاد الحرب وبنوا المؤسسات الوطنية.
وحين جاءت مرحلة نهاية التسعينيات، وتغيرت قواعد اللعبة لتفسح المجال أمام النفوذ المالي والسياسي الجديد، كان هذا الرجل قد تجاوز الثمانين من عمره، مستمرًا في عمله بإيمان المهندس الذي لا يعرف التقاعد.. قبل أن يُفاجأ بأن عصر البناة قد انتهى، وأن عصرًا آخر قد بدأ بشروط مختلفة تمامًا.
وفي الحلقة القادمة: كواليس الأيام الأخيرة في الدخيلة.. كيف قرأ وزير صناعة حرب أكتوبر خبر استقالته وتغييره في الصحف؟.


