الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

الهيئات الاقتصادية بين تعدد الإصلاح وغياب التماسك المؤسسي.. الداء والدواء: كيف نعيد بناء قدرة الدولة الاقتصادية؟

الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 01:26 م

لم تعد قضية إصلاح الهيئات الاقتصادية قضية محاسبية أو مالية أو إدارية منفردة، ولم يعد السؤال الصحيح هو: هل تحقق الهيئة فائضًا أم عجزًا؟ وهل تجاوزت مصروفاتها المقدر لها؟ وهل التزمت بالإجراءات واللوائح؟ فهذه أسئلة مهمة، لكنها لا تصل بنا إلى أصل المشكلة.

السؤال الأعمق هوهل تعمل عناصر المنظومة الاقتصادية المؤسسية للدولة في اتجاه واحد؟

بعبارة أخرى: هل الهدف الاقتصادي الذي أنشئت الهيئة لتحقيقه يرتبط فعلًا بالمؤشرات التي نقيس بها أداءها؟ وهل تؤثر نتائج هذا القياس في التمويل الذي تحصل عليه؟ وهل تتسق الحوافز التي يحصل عليها المسؤول مع النتائج التي تريد الدولة تحقيقها؟ وهل تحاسب الأجهزة المختلفة الهيئة على الهدف نفسه، أم يطلب منها كل طرف شيئًا مختلفًا؟

هنا تحديدًا يوجد الداء.

الداء: مؤسسات تعمل... ولكن المنظومة قد لا تعمل

قد تكون كل مؤسسة من مؤسسات الدولة ملتزمة باختصاصاتها، وقد يؤدي كل جهاز وظيفته وفق القانون، ومع ذلك لا يتحقق للدولة أفضل عائد اقتصادي ممكن.

كيف يحدث ذلك؟

لأن سلامة كل جزء منفرد لا تعني بالضرورة سلامة المنظومة كلها.

قد تحدد الدولة لهيئة اقتصادية هدفًا استراتيجيًا طويل الأجل، بينما تقيس أداءها بمؤشرات تشغيلية قصيرة الأجل. وقد تطلب منها تحسين الكفاءة الاقتصادية، بينما يستمر تخصيص مواردها على أساس تاريخي لا يرتبط بنتائج الأداء. وقد تطالب القيادة التنفيذية بالابتكار واتخاذ القرار، بينما تدفع منظومة المساءلة المدير إلى تجنب المخاطرة حتى لو كانت مخاطرة اقتصادية محسوبة.

وهكذا نصل إلى وضع بالغ الخطورةالقرارات قد تكون عقلانية داخل كل نظام فرعي، لكنها تصبح غير عقلانية عندما نجمعها على مستوى الدولة.

هذه ليست بالضرورة مشكلة فساد، ولا نقصًا في الكفاءات، ولا ضعفًا في القوانين. إنها مشكلة تصميم مؤسسي.

والفارق كبير.

لأن علاج الفساد يكون بالرقابة والمساءلة، وعلاج ضعف الكفاءة يكون بالتدريب وإعادة الهيكلة، وعلاج نقص التمويل يكون بتعبئة الموارد؛ أما غياب التماسك الاقتصادي المؤسسي فلا يعالج بأي من هذه الأدوات منفردة.

إنه يحتاج إلى إعادة تكوين طريقة عمل المنظومة نفسها.

خمسة انفصالات تصنع المشكلة

يمكن تلخيص الداء في خمسة انفصالات رئيسية.

الأول هو انفصال الأهداف عن التشغيل. فقد تكون للهيئة رسالة اقتصادية وتنموية واسعة، لكن مؤشرات أدائها اليومية لا تعكس هذه الرسالة.

والثاني هو انفصال القياس عن التمويل. فما جدوى منظومة متقدمة لقياس الأداء إذا لم تتأثر بها الموازنة، أو الاستثمار، أو أولوية المشروع، أو مساحة المرونة المالية الممنوحة للهيئة؟

والثالث هو انفصال التمويل عن النتائج. فاستمرار التمويل وفق خطوط تاريخية قد يجعل المؤسسة الجيدة والمؤسسة ضعيفة الأداء تتلقيان إشارات متشابهة.

والرابع هو انفصال المساءلة عن القيمة الاقتصادية. فكلما أصبحت المساءلة معنية بالإجراءات وحدها، زادت احتمالات أن يتحول المدير من صانع قيمة إلى مدير لتجنب المخاطر.

أما الخامس فهو انفصال المعلومات عن القرار. فقد تنتج المؤسسة عشرات التقارير، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل تصل المعلومة الصحيحة إلى صاحب القرار في الوقت الصحيح وبالصيغة التي تسمح له بالفعل؟

هذه الانفصالات الخمسة تفسر لماذا قد تبذل الدولة جهدًا كبيرًا في الإصلاح ولا تحصل دائمًا على عائد متناسب مع هذا الجهد.

العالم تغيّر... ومعيار النجاح تغيّر معه

المرجعيات العالمية الحديثة في حوكمة المؤسسات العامة لم تعد تنظر إلى الحوكمة باعتبارها مجرد وجود مجلس إدارة أو لجان أو قواعد إفصاح.

الاتجاه العالمي يتحرك نحو مفهوم أوسع: أن تكون للدولة أهداف ملكية واضحة، وأن تفصل بين وظائفها المختلفة، وأن تتوافر الشفافية والمساءلة، وأن تستطيع المؤسسات العامة العمل بكفاءة واستدامة ومرونة، وأن تتحول المعلومات المالية وغير المالية إلى مدخل حقيقي في اتخاذ القرار.

وكذلك لم يعد الفكر الحديث في المالية العامة يعتبر النجاح هو مجرد تنفيذ الاعتماد المالي. السؤال أصبحماذا أنتج هذا المورد؟

وهو تحول بالغ الأهمية لمصر.

فنحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة تنفيذ الموازنة إلى ثقافة إنتاج القيمة من الموازنة، ومن إدارة الأصول إلى تعظيم قيمتها، ومن متابعة الأنشطة إلى قياس النتائج، ومن تعدد نظم الرقابة إلى تماسك منظومة المساءلة.

وهذا لا يعني استيراد نموذج أجنبي.

فمصر ليست سنغافورة، وليست كوريا الجنوبية، وليست دولة أوروبية. لكل دولة تكوينها المؤسسي والاجتماعي والاقتصادي.

لكن الدرس العالمي واحدالدول التي تنجح لا تكتفي بإصلاح المؤسسات؛ إنها تضبط العلاقات بين المؤسسات.

الدواء: إطار وطني للتماسك الاقتصادي المؤسسي

من هنا يأتي المقترح الذي يطرحه البحثالإطار الوطني للتماسك الاقتصادي المؤسسي National Economic–Institutional Coherence Framework (NECF).

والفكرة في جوهرها بسيطة رغم عمقها:

بدل أن ننظر إلى كل إصلاح منفردًا، نعيد تصميم السلسلة كاملة:

هدف اقتصادي واضح → قياس يعكس الهدف → موارد ترتبط بالأداء → حوافز ومساءلة تدعم النتيجة → تغذية راجعة تعيد تصحيح القرار.

إذا انقطعت حلقة واحدة، بدأ التماسك في التراجع.

أما إذا عملت الحلقات معًا، فإن التماسك يصبح خاصية للنظام نفسه، وليس نتيجة لجهد فردي أو استثنائي.

أولًا: تثبيت المرساة الاقتصادية لكل هيئة

يجب أن يكون لكل هيئة جواب واضح عن ثلاثة أسئلة:

ما القيمة الاقتصادية التي أنشئت من أجلها؟

ما النتائج التي تتوقعها منها الدولة؟

وكيف يرتبط دورها بالأولويات الاقتصادية الوطنية؟

ليس المطلوب كتابة رسالة إنشائية جديدة لكل هيئة، وإنما تحويل الغرض الاقتصادي إلى التزام قابل للقياس.

ثانيًا: إعادة هندسة القياس

نحن بحاجة إلى التفرقة بين أربعة أشياء كثيرًا ما تختلط:

النشاط، والمخرج، والنتيجة، والأثر.

إنجاز ألف معاملة نشاط.

وتقديم خدمة لمليون مواطن مخرج.

وتحسن جودة الخدمة نتيجة.

أما انخفاض التكلفة على الاقتصاد أو زيادة الإنتاجية أو تعظيم قيمة الأصل فهو أثر.

الدولة الحديثة لا تستطيع أن تدير هيئاتها بمؤشرات النشاط وحدها.

ثالثًا: ربط الأداء بالموارد

هذه ربما تكون الحلقة الأكثر حساسية.

فإذا حصلت الإدارة الجيدة والإدارة الضعيفة على التمويل بالطريقة نفسها، وإذا لم تؤثر جودة الأداء في مرونة التمويل أو أولوية الاستثمار، فإن مؤشر الأداء يتحول إلى تقرير لا إلى أداة إدارة.

ولا يعني ربط الموارد بالأداء معاقبة الهيئة التي تواجه ظروفًا صعبة؛ بل يعني التمييز بين ضعف الأداء الناتج عن سوء التصميم أو الإدارة وبين الاحتياجات المشروعة المرتبطة بوظيفة عامة أو ظرف اقتصادي.

رابعًا: إعادة بناء المساءلة والحوافز

لا إصلاح دون مساءلة، لكن لا ابتكار أيضًا تحت مساءلة تجعل القرار الرشيد مخاطرة شخصية.

المطلوب ليس تخفيف الرقابة، وإنما رفع جودتها.

أي التمييز بوضوح بين الخطأ المهني، والمخاطرة الاقتصادية المحسوبة، والإهمال، والانحراف المتعمد.

وعندما يرتبط تقييم القيادة ليس فقط بسلامة الإجراءات، وإنما أيضًا بالقيمة التي حققتها، فإن السلوك الإداري يتغير.

خامسًا: التغذية الراجعة السريعة

لا قيمة لبيانات تصل بعد أن يفقد القرار جدواه.

ومن ثم تحتاج كل هيئة إلى دائرة تعلم مؤسسي تجعل معلومات الأداء والموازنة والاستثمار والرقابة تدخل سريعًا في دورة القرار التالية.

الهدف هو أن تصبح الهيئة مؤسسة تتعلم، لا مؤسسة تكرر مشكلاتها ثم تعالجها كل عام.

من الجزر المنفصلة إلى شبكة اقتصادية للدولة

التحول الأكثر أهمية هو ألا نتعامل مع الهيئات الاقتصادية كمجموعة ملفات مستقلة.

فهي في الحقيقة شبكة واحدة.

قرار في هيئة للنقل قد يؤثر في الصناعة والتجارة والسياحة والاستثمار. وكفاءة هيئة بنية أساسية قد تخفض تكلفة عشرات القطاعات الأخرى. والعكس صحيح؛ فقد تنتقل عدم الكفاءة من مؤسسة إلى أخرى عبر الأسعار أو الخدمة أو الاستثمار أو تكلفة التمويل.

وهنا تظهر أهمية مفهوم التماسك على مستوى الدولة.

المطلوب ليس أن تكون كل هيئة ناجحة وفق مقياسها الخاص فحسب، وإنما أن تسهم الهيئات مجتمعة في تحقيق الهدف الاقتصادي الكلي للدولة.

لا تبدأوا بإعادة الهيكلة... ابدأوا بالتشخيص

ومن الأخطاء التي يجب تجنبها أن نبدأ الإصلاح بتغيير الهياكل أو القيادات أو إصدار تشريع جديد.

البداية الصحيحة هي بناء خريطة تشخيصية للتماسك لكل هيئة، تقيس خمسة أمور:

وضوح الهدف، وجودة القياس، وارتباط الموارد بالأداء، واتساق المساءلة والحوافز، وجودة التغذية الراجعة.

وبهذه الخريطة تستطيع الدولة تقسيم الهيئات إلى ثلاث مجموعات: هيئات عالية التماسك، وهيئات انتقالية تحتاج تدخلات محددة، وهيئات منخفضة التماسك تحتاج إعادة تصميم أعمق.

وهنا تصبح السياسة أكثر ذكاءً؛ فلا نعطي الدواء نفسه لكل المرضى.

الأثر المباشر: ماذا تكسب مصر؟

المكسب الأول هو خفض الهدر غير المرئي؛ ذلك الهدر الذي لا يظهر بالضرورة باعتباره مخالفة مالية، وإنما يظهر في صورة قرار متأخر، أو مشروع منخفض العائد، أو أصل غير مستغل، أو استثمار لا يتوافق مع الهدف.

والمكسب الثاني هو تحسين تخصيص المال العام، بحيث يتحول الأداء من تقرير لاحق إلى إشارة تستخدم في القرار والتمويل.

والمكسب الثالث هو زيادة قدرة الهيئات على مواجهة الصدمات. فالمؤسسة المتماسكة تستطيع إعادة ترتيب أولوياتها ومواردها أسرع من المؤسسة المجزأة.

والمكسب الرابع هو تحسين جودة المساءلة؛ لأن تحديد الهدف والنتيجة والعلاقة بين الموارد والأداء يجعل المسؤولية أكثر وضوحًا.

أما المكسب الخامس ـ وربما الأهم ـ فهو رفع قدرة الدولة ذاتهافالدولة ليست قوية فقط بمواردها، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نتائج.

رسالة إلى صانع القرار

ربما تكون المرحلة المقبلة في إصلاح الهيئات الاقتصادية المصرية مختلفة عن كل ما سبق.

لسنا بالضرورة في حاجة إلى مزيد من المؤسسات أو مزيد من التقارير أو مزيد من اللجان.

قد نكون في حاجة إلى شيء أصعب وأكثر أهمية:

أن نجعل ما لدينا يعمل كمنظومة واحدة.

وهذا هو جوهر إعادة تكوين التماسك الاقتصادي المؤسسي.

إن المعايير الدولية يمكن أن تقدم لنا مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة، لكنها لا تستطيع أن تصمم لنا الدولة المصرية. هذه مهمة مصرية.

والتحدي الحقيقي ليس في نقل معيار دولي، وإنما في بناء تصميم مصري يستوعب المرجعيات العالمية ويعيد تركيبها بما يناسب طبيعة الدولة ومؤسساتها وأولوياتها.

الخاتمة: الإصلاح بين الجزء والكل

أحيانًا لا يكون الداء في الجزء المكسور، وإنما في العلاقة بين أجزاء سليمة.

وهذه هي القضية التي يجب أن تنتقل إليها فلسفة إصلاح الهيئات الاقتصادية.

فالهدف ليس مجرد هيئة تحقق فائضًا، ولا هيئة تقلل إنفاقها، ولا هيئة ترفع عدد مؤشرات أدائها.

الهدف هو:

هيئة تعرف لماذا توجد، وتقيس ما يجب أن تحققه، وتحصل على موارد تتناسب مع النتائج المطلوبة منها، وتخضع لمساءلة تدعم القيمة، وتتعلم باستمرار من المعلومات والنتائج.

وعندما تعمل الهيئات بهذه الفلسفة، لا نكون قد أصلحنا مجموعة من المؤسسات فقط، وإنما نكون قد رفعنا قدرة الدولة المصرية على تحويل مواردها إلى قيمة.

وهنا تحديدًا ينتقل الإصلاح من معالجة الداء إلى بناء المناعة.

ومن إدارة الهيئات الاقتصادية إلى إعادة تكوين التماسك الاقتصادي المؤسسي للدولة.

تابع مواقعنا