الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ساحل ومسحول

الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 04:57 م

في الساحل الشمالي؛ كان البحر أزرق إلى درجة توحي بأن الدنيا ما زالت بخير حيث جلس رجل ممتلئ في منتصف الخمسينات على مقعد أبيض أمام البحر تحيط به حياة لا تعرف معنى كلمة «غدًا». ساعة تلمع في معصمه ونظارة سوداء وهاتف لا يتوقف عن الرنين وسيارة فارهة تقف غير بعيد كأنها جزء من المشهد، ومن الجهة المطلة على البحر وقف إليها الصغير في حراسة مشددة من الخدم أصحاب البشرة السمراء؛ رفع كأس عصيره البارد وقال لصديقه:
- الدنيا حلوة… الواحد لازم يعيش.!!

في مكان آخر من المدينة كان رجل اسمه «مسحول» يجري؛ لم يكن يجري وراء البحر ولا وراء حلم كبير بل كان يجري وراء رغيف!!

يستيقظ قبل الشمس ويعود بعد أن تنطفئ، يحمل في جسده تعب يوم كامل، وفي جيبه حسابات لا تنتهي؛ زوجة تنتظر وأطفال يكبرون وأسعار تكبر معهم..

إلا أن شيئًا جديدًا جعل الحياة أشد قسوة؛ قديمًا، كان الساحل بعيدًا أما الآن، فقد أصبح في جيب المسحول!!

بضغطة واحدة، يفتح هاتفه فيرى الرجل الذي يشرب عصيره أمام البحر ويرى المطاعم، والفلل واليخوت والألعاب النارية ويسمع الضحكات وليالي الصيف التي تبدو وكأنها خُلقت لجماعة أخرى من البشر!!

لم يعد الفقير يسمع عن رفاهية الأغنياء بل صار يشاهدها!! والأسوأ أنه يشاهدها لحظة حدوثها!!

وفي إحدى الليالي، كان مسحول جالسًا إلى جوار زوجته وأطفاله. فتح هاتفه بلا قصد، فظهرت أمامه صور ليلة في الساحل حيث عشاء فاخر وموسيقى وأضواء وأطفال يلعبون بالجولف كار؛ وأب يضحك وهو يحمل ابنته وفجأة توقّف إصبعه عن الحركة حين قال ابنه الصغير في ذهول:
— بابا… هو الناس دي عايشة فين؟
— في الساحل.
سأله الطفل ببراءة:
— وإحنا ليه مش بنروح؟
ابتلع مسحول ريقه وكان يستطيع أن يجيب بأي كذبة جميلة لكنه اكتشف فجأة أن التكنولوجيا أغلقت عليه آخر أبواب الكذب فلم يعد يستطيع أن يقول: «مش موجود» فهو موجود. !! ولم يعد يستطيع أن يقول: «مش وقته» فالصور تقول إن هناك من يعيش الوقت كله؛ ولم يعد يستطيع أن يقول: «بكرة» لأن الغد نفسه صار يُبث مباشرًا على الهاتف!! 
فأغلق الشاشة. وشعر أن هاتفه أثقل من جيبه.

لم يكن يحسده على البحر وحده؛ كان يحسده على تلك القدرة العجيبة على أن يعيش دون أن يحسب ثمن كل شيء.

نظر إلى زوجته ثم إلى أولاده وكان أكثر ما يؤلمه أنه لم يعد يستطيع أن يخفي عنهم عجزه.

لقد صار الفقر مكشوفًا فالطفل الذي كان يقارن نفسه بزميله في المدرسة؛ أصبح يقارن حياته كل ليلة بمئات الأطفال الذين يراهم يسبحون ويسافرون ويأكلون ويلبسون ويضحكون.

وصار الأب الذي كان يستطيع أن يقول لابنه: «كل واحد وله نصيبه»، عاجزًا أمام سؤال بسيط:

— هو إحنا نصيبنا وحش ليه يا بابا؟

في الطرف الآخر كان الرجل الثري يكتب تحت صورته:

«الحمد لله على نعمة الحياة».

قرأ مسحول العبارة وابتسم ثم وضع الهاتف مقلوبًا على الطاولة فقد فهم أن المشكلة لم تعد أن هناك ساحلًا بعيدًا ومسحولًا فقيرًا لا يراه، والمشكلة أن الساحل والمسحول أصبحا على مرأى بعضهما البعض.

الأول يرى حياة الآخر والثاني يرى ما لن يستطيع مهما عمل!!

وبينما كان البحر يلمع تحت أضواء الساحل، كان مسحول يطفئ هاتفه كأنه يطفئ نافذة تطل على حياة ليست له.

ثم نظر إلى أولاده وقال:

— ناموا يا حبايب أبوكم… بكرة عندنا مشوار نزور جدكم في المدفن!!.

نام الأطفال وبقي هو مستيقظًا؛ فبعض الفقر لا يؤلم الجيب فقط.

هناك فقر آخر… يؤلم الكرامة.

وحين يصبح كل شيء معروضًا على الشاشة، يصبح الفرق بين من يملك ومن لا يملك حاضرًا في كل بيت وعلى مائدة كل أسرة وفي عين كل طفل.

لم يعد الساحل بعيدًا عن المسحول.

لقد أصبحا يعيشان أمام بعضهما… كل ليلة.

ولهذا ربما لم تعد الحكاية مجرد ساحل ومسحول.

لقد أصبحنا جميعًا… ساحل ومسحول.

تابع مواقعنا