إبراهيم سالم محمدين وأحمد عز (2/3)
11 عامًا من الصمت.. لماذا لم يتكلم الذين كانوا يعرفون؟
في بعض الأحيان، لا يكون أصعب ما في التاريخ معرفة ما حدث، بل فهم لماذا صمت الذين عاشوا الأحداث.
في الجزء الأول من هذه السلسلة، عدنا إلى البداية: إلى إبراهيم سالم محمدين قبل أن تصبح الدخيلة خبرًا في صفحات الاقتصاد، وقبل أن يتحول اسمها إلى عنوان لقضية أو صراع أسهم. رأينا وزير الصناعة في حكومة حرب أكتوبر 1973، ثم المهندس التكنوقراط الذي شارك في بناء واحد من أكبر صروح الصلب في الشرق الأوسط، لكن إذا كانت مرحلة البناء والتأسيس واضحة في الوثائق والأرقام واللوحات التذكارية، فإن الفصل الأكثر غموضًا وإيلامًا يبدأ من سؤال مفصلي:
كيف خرج الرجل من الشركة التي ارتبط بها قرابة عقدين من الزمن؟ ولماذا ظل صامتًا أحد عشر عامًا كاملة؟
لم يكن يفكر في الرحيل
الرواية السطحية المتداولة أحيانًا توحي بأن إبراهيم سالم محمدين بلغ الثمانين من عمره، ثم غادر الشركة تلقائيًا كما يغادر أي مسؤول موقعه بنهاية المدة.
لكن هذه ليست الصورة التي عرفتها أنا، وليست الصورة التي سمعتها منه شخصيًا.
فبحسب ما كان يرويه في جلساته العائلية، لم يكن يفكر في الاسترخاء أو التقاعد؛ بل كان منشغلًا كليًا بمشروع «الصلب المسطح» وبخطط التوسع الهيكلية الجديدة. كان يرى أن «الدخيلة» لم تصل بعد إلى نهاية رسالتها التنموية، وأنه لا يزال قادرًا على إضافة مرحلة جديدة للصرح الذي قضى سنوات طويلة يضع لبناته الأولى.
لم يكن يتحدث كرجل يستعد للمغادرة، بل كرجل يخطط لغدٍ أفضل للمصنع.

ما الذي سمعته منه شخصيًا؟
ومن باب الأمانة التاريخية والنفسية، يجب أن أوضح أن ما يلي ليس وثيقة رسمية، بل هي الرواية الشفهية التي سمعتها مباشرة من جدي.
كان يرى أن الشركة تحتاج بالفعل إلى تمويل ضخم لاستكمال مشروع الصلب المسطح، وكان مقتنعًا بأن ثمة بدائل قومية ومؤسسية متوفرة من خلال الجهات والمؤسسات العامة المساهمة بالفعل في هيكل ملكية الدخيلة، وأن دخول مستثمر بعينه لم يكن الخيار الوحيد المتاح على الطاولة.
لكن بوصلة الدولة اتجهت وقتها إلى مسار مختلف أفضى إلى منح دور أكبر للمستثمر الجديد. وافق جدي، بحسب ما كان يرويه، رغبةً منه في ضمان استمرار وتوسع المشروع لا توقفه، متصورًا أنه سيظل قادرًا على إدارة الشركة وتوجيه دفة قيادتها الفنية. لكن ما أسفرت عنه كواليس الأيام التالية لم يكن مطلقًا ما توقعه.
الجنزوري.. اللحظة التي كان يعتقد أنها قد تغيّر المسار
في كل الأحاديث التي تناول فيها محمدين أزمة الدخيلة بعد سنوات، كان اسم الدكتور كمال الجنزوري حاضرًا باستمرار، ففي حواره الصحفي المنشور عام 2013، أوضح أنه توجه إلى الجنزوري خلال أزمة تمويل مشروع الصلب المسطح، حيث تشكلت لجنة لدراسة البدائل المتاحة، وكان التصور الذي خرجت به تلك المناقشات يقوم على زيادة مساهمة ودور «بنك الاستثمار القومي» لتدعيم الشركة، بدلًا من إعادة تشكيل موازين الملكية والسيطرة برمتها.
كان محمدين يتحدث عن تلك اللحظة باعتبارها الفرصة الأخيرة التي شعر فيها أن مشروعه قد يسير في الاتجاه الوطني الذي يراه مناسبًا.. لكن هذا المسار سرعان ما انقطع.

عاطف عبيد وتغير المناخ الاقتصادي
هنا يجب التمييز الدقيق بين الوثيقة التاريخية والانطباع الشخصي:
* الوثيقة التاريخية: أثبتت أن نهاية التسعينيات شهدت تحولًا راديكاليًا في السياسات الاقتصادية نحو تسريع برامج الخصخصة وتوسيع رقعة القطاع الخاص.
* رواية محمدين: رأت أن انتقال الملف من عهد الدكتور كمال الجنزوري إلى عهد الدكتور عاطف عبيد غيّر البيئة والغطاء السياسي الذي كانت تتحرك داخله شركة الدخيلة؛ فلم تعد البدائل التمويلية الوطنية تحظى بالدعم نفسه، ودخل الصرح مرحلة جديدة كليًا تختلف عن فلسفة التأسيس.
عندما شعر أن القرار لم يعد قراره
لم يكن محمدين يرى أن المشكلة تكمن في مجرد دخول مساهم جديد، بل بدأت الأزمة الحقيقية عندما شعر أن القرار الفني والإداري لم يعد في يده.
كان يتحدث بحسرة عن تغير موازين القوى داخل مجلس الإدارة، وعن شعوره بأن المشروع الذي أفنى فيه شبابه ورؤيته بات يُدار بمنطق مختلف تمامًا عن أدبيات جيل الوزراء البناة. لم يكن الخلاف في جوهره حول أرقام التمويل، بل حول من يملك توجيه مسار المؤسسة الوطنية.
أين ذهب الذين كانوا يعرفون؟
كلما حاولت إعادة قراءة تلك المرحلة، أجد نفسي أمام علامة استفهام تؤرقني: أين أصحاب القرار الذين شهدوا تلك الكواليس؟
* رحل الدكتور كمال الجنزوري ورحلت معه التفاصيل الدقيقة للمناقشات الأولى.
* وبقيت أسماء أخرى بارزة في ذاكرة الحكم، من بينها الدكتور زكريا عزمي، كأحد أكثر الشخصيات قربًا من دوائر صنع القرار في تلك العقود.
لا أملك وثيقة تنسب دورًا محددًا لهذه الأسماء، لكن وجود مثل هذه القامات في قلب المشهد يجعل المرء يتساءل دائمًا عن حجم الأسرار والمعارف التي حملها أصحاب القرار معهم إلى الصمت، وعن الروايات الرسمية التي لم تُكتب كاملًا بعد.

أحد عشر عامًا من الصمت.. ثم المفارقة المؤلمة
منذ خروجه في مارس 2000 وحتى يناير 2011، آثر إبراهيم سالم محمدين صمتًا مطلقًا. لم يدخل في تراشق إعلامي، ولم يسعَ لتصفية حسابات، ملتزمًا بأخلاقيات جيلٍ ينزه المؤسسات عن الصراعات الشخصية.
ثم جاءت ثورة يناير 2011، ليتصدر أحمد عز المشهد السياسي والإعلامي، وتعود «الدخيلة» إلى الصفحة الأولى في الصحف.. وفجأة، عاد اسم الباني الثمانيني إلى الواجهة، لا باعتباره وزير صناعة حرب أكتوبر، ولا كمؤسس لأكبر صرح صناعي، بل كاسم وارد ضمن أوراق القضية والتحقيقات!
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في النفس البشرية: أن يُطالب من قَضى عمره في بناء الجدران، بالدفاع عن طريقة إدارة المبنى بعد أن غادره بأحد عشر عامًا كاملة.
الخاتمة
أنا لا أكتب هذه السلسلة لإدانة طرف أو لتصفية حسابات تاريخية، بل أكتب لأن التاريخ لا يجوز أن يُقرأ مقتطعًا من صفحته الأخيرة.
أكتب لأنني سمعت من جدي شهادة حية وحقيقة إنسانية تستحق أن تُسجل، لتستقر في المسافة الفاصلة بين ما قيل في المحاكم.. وما كُتم في الصدور.
وفي الجزء الثالث والأخير، سنبتعد عن أروقة السياسة وقاعات المحاكم وجداول الأسهم، لنطرح السؤال الأكثر عمقًا وإنسانية:
ماذا بقي من روح إبراهيم سالم محمدين في الدخيلة بعد رحيله؟ وما الذي يتبقى من أثر البناة حين تتغير الأسماء وتبدلت المراحل؟


