غشيم النعمة
دلوقتي وإحنا في 2026 أي جريمة بتحصل أو اختفاء غامض بيتحل من خلال وزارة الداخلية في ساعات وبمنتهى السهولة.. السيطرة الأمنية عملت رعب لكل مرتكب جريمة وخلّته يفكر مليون مرة قبل ما يرتكبها.. ساعد في كده كمان حالة التطور التقنية المدهشة اللي الداخلية مشيت عليها واللي تمثلت في وجود الكاميرات في كل شارع في مصر تقريبًا بالتالي بقت فكرة تتبع بداية أي مجرم من لحظة الحدث لحد القبض عليه شيء يسير.. بس ده في 2026.. لكن التقنيات الحديثة دي وفكرة الكاميرات ماكانتش موجودة تقريبًا في أوائل التسعينات.. اشمعنى في الوقت ده بالذات؟.. عشان في بداية التسعينات وفي حي السيدة زينب في القاهرة انتشرت قصة غريبة في الصحف والناس كانت مهتمة بيها.. قصة بطلتها سيدة مصرية وربة منزل اسمها سعاد عبد الهادي.
سيدة طيبة من اللي وشهم بيطمن، وضحكتها بتسبقها، وكل اللي يعرفها من جيرانها وزمايلها في الشغل بيحلفوا بطيبتها وجدعنتها.. كانت بتزرع الورد في طريق الكل، بس جوه بيتها كانت للأسف بتمشي على شوك.. جوزها عادل كان العكس تمامًا، راجل قاسي، لسانه مابيرحمش، وإيده أسبق من كلامه.. كان بيعاملها بإهانة كأنها جارية مش شريكة حياة، ورغم كل ده سعاد كانت صابرة، وقافلة بابها على وجعها، وبتربي أولادهم التلاتة اللي لسه عمرهم ماكملش الـ 10 سنين وأقل كأنهم أمراء.. بتديهم كل الحنية اللي اتحرمت منها عشان تطلعهم أسوياء ومفيش في قلوبهم عقد في وسط الخراب ده.
عادل كان متطمن، وفاكر إن الطيبة ضعف، وإن الست اللي بتستحمل عشان عيالها عمرها ما هتقدر تكسر القفص.. لحد ما جه اليوم اللي صحي فيه من النوم، بيبص حواليه ملقاش سعاد ولا سمع دوشة ولاده.. البيت كان فاضي، بارد، ومترتب كأن محدش عاش فيه قبل كده.. دولابها فاضي، وشنط العيال مش موجودة.. في الأول كابر، قال تلاقيها غضبانة عند أهلها كالعادة وهترجع مكسورة، بس الساعات بقت أيام، والأيام بقت شهور.. قلب الدنيا، ولف على كل قرايبها ومعارفها، وسأل في شغلها، راح أقسام الشرطة والمستشفيات.. مفيش فايدة.. سعاد والعيال فص ملح وداب.
عادل عاش سنين بياكل في نفسه، والبيت اللي كان بيملى فيه صوته بالزعيق والشتيمة بقى قبر بيخنقه كل ليلة.. الصدمة كسرته، والزمن علم عليه، وكل يوم بيسأل نفسه: إزاي ست ضعيفة زي دي قدرت تختفي كده؟.. راحوا فين ومين بيأكلهم؟.. وإزاي الأرض انشقت وبلعتهم؟.. مرت 15 سنة.. 15 سنة والراجل ده عايش في دوامة من العذاب والأسئلة اللي ملهاش إجابة.. شعره ابيض، وصحته اتهدت، والوحدة نهشت في روحه لحد ما بقى مجرد خيال لراجل كان في يوم من الأيام فاكر نفسه دكر البيت اللي كلمته مابتنزلش الأرض.. وفي يوم ضهر الباب خبط، وبوسطجي جايب جواب مسجل بعلم الوصول.
عادل مسك الجواب بإيد بتترعش، وبص على الطابع لقاه من بلد أجنبية.. بلد عمره ما نطق اسمها حتى!.. فتح الظرف بلهفة، ولقى ورقة واحدة مكتوبة بخط شاب.. خط فيه من ريحة سعاد بس أقوى وأثبت.. رسالة من ابنه الكبير يوسف.. مضمونها بيقول: أنا يوسف.. ابنك اللي كبر من غير ما يشوفك، ومن غير ما يحتاجلك.. يمكن تستغرب الجواب ده، بس أمي علمتنا إن كل واحد لازم يقفل دفاتره القديمة.. العذاب والوحدة والكسرة اللي إنت عايش فيهم دلوقتي مش صدفة ده تمن قهرك وظلمك لقلب الست اللي شالتك فوق دماغها واستحملت إهانتك سنين.. يوم ما مشينا، إنت دورت علينا في كل حتة ممكن عقلك الصغير يوصلها، دورت في البيوت والشوارع والأقسام، بس اللي ماجاش في بالك أبدًا إن الست اللي كنت بتستضعفها وتهينها، قدرت بتعبها في شغلها في السر إنها ترتب سفرنا بره مصر كلها.
أخدتنا وطارت وسافرنا وابتدينا من الصفر في الغربة، وأمي ربتنا بكرامة وعزة نفس، خلتنا دكاترة ومهندسين في بلد غريبة، في الوقت اللي إنت كنت فيه بتدور علينا في دايرتك الضيقة.. إحنا مش عايزين منك حاجة، ولا أمي مسامحاك، بس كان لازم تعرف إن الظلم آخره عتمة، وإنت دلوقتي عايش في العتمة اللي اخترتها بنفسك، في الوقت اللي إحنا عايشين فيه في النور اللي أمي خلقتهولنا.. بعد وصول الرسالة بيومين بالظبط مات عادل واكتشف الجيران موته بالصدفة وكان الجواب موجود جنب الجثة.. الحقيقة إن وفاة عادل مكنش فيه أي تعاطف معاها من الجيران والأهل اللي شافوا بعيونهم مدى العنف اللي كان بيمارسه على مراته وأسرته بالعكس بقى دول كانوا في قمة السعادة لما عرفوا إن سعاد وأولادها بخير وإنهم عايشين حياتهم عشان الدنيا تثبت للمرة المليون إن اللي بيضيع من إيده ناس حلوة يستحق حياته تبقى مرار.
أعلى مراحل الغباء في الدنيا دي مش إنك تخسر فلوس أو تضيع فرصة لكن إن عينك تعمى عن النعمة اللي في إيدك، وتفرط بجهلك وغرورك في ناس معدنها زي الدهب موجودين في حياتك.. ناس كانوا هما الضهر والسند، واستحملوا كتير وعدوا أكتر عشان بس شاريين العشرة.. وجزاءهم منك كان إيه؟.. قسوة في كلامك معاهم، واستخفاف بوجعهم، واعتقادك إن صبرهم عليك حق مكتسب مش نعمة ربنا حطها في طريقك!..
البني آدم المتبلد بيفضل متخيل إن الناس دي مضمونة في جيبه، وإن مهما داس عليهم هيفضلوا مكملين، لحد ما بيصحى في يوم على قلم بيفوقه، يلاقيهم سحبوا نفسهم وقفلوا الباب وراهم للأبد من غير حتى عتاب.. القسوة سهلة، وبتديك إحساس مؤقت إنك قوي ومسيطر، بس التمن بييجي متأخر وقاسي..
الندم وعياط السنين عمره ما هيرجع اللي انكسر ولا هيعوض الغياب.. الوحدة وقتها بتبقى هي القصاص العادل لكل واحد استقوى على قلب صانه وحفظه.. عشان كده كل واحد فينا لازم يسأل نفسه سؤال واحد بس: إنت فاهم قيمة اللي جنبك ولا لسه محتاج تخسره عشان تصحى؟.. الموضوع في قمة البساطة.. اللي يضيع دفاه يستحمل البرد.


