يسمح بترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين| اتفاق ليبي ينهي الانقسام ويحدد الانتخابات خلال 24 شهرًا.. ماذا يتضمن؟
شهدت الساحة السياسية الليبية تطورا هامًا خلال الساعات الماضية من شأنه أن يصل بالبلاد إلى أول انتخابات رئاسية منذ سقوط نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، إذ وقعت الأطراف الليبية المشاركة في لجنة الحوار المصغر 4+4، الاتفاق النهائي بشأن تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لمعالجة الملفات السياسية والقانونية والمؤسسية التي تسببت في عرقلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية طوال السنوات الماضية، وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وجرت مراسم التوقيع بمشاركة عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، وممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة، إلى جانب حضور الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه، وأعضاء مجموعة المتابعة الدولية والسلك الدبلوماسي المعتمد لدى ليبيا.
الاتفاق الليبي جاء عقب ماراثون اجتماعات عقدتها الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة، امتدت عدة شهور، إذ يمثل الاتفاق انتقالا من مرحلة التفاوض حول القضايا الخلافية إلى مرحلة التنفيذ، كونه تضمن مهلة زمنية لا تتجاوز 24 شهرا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وربط الاستحقاق الانتخابي بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات
وتصدر ملف إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بنود الاتفاق، باعتباره أحد الملفات الأساسية اللازمة لتهيئة الظروف المؤسسية لإجراء الانتخابات، فقد توافقت الأطراف على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية وفق الأسماء المقترحة في الاتفاق، ومن بينها التوصية بتعيين ضو إبراهيم الهمالي عطية رئيسا للمجلس، وسناء الشتيوي نائبا للرئيس، إلى جانب ستة أعضاء، ثلاثة منهم عن مجلس النواب وثلاثة عن المجلس الأعلى للدولة، وفق الترتيبات المشار إليها في الوثيقة، في محاولة لإنهاء الخلاف بشأن تركيبة الجهة المشرفة على العملية الانتخابية.
تعديلات على شروط الترشح للرئاسة
وتضمن الاتفاق السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية، حيث لا يحرم حامل الجنسية المزدوجة من الترشح، على أن يلتزم المترشح الفائز بالتخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، وبذلك يزيل الاتفاق إحدى العقبات التي عطلت الانتخابات السابقة، ولا سيما الخلافات المتعلقة بأهلية عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية للترشح.
كما وافقت الأطراف على السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، سواء كمرشحين أو ناخبين، على أن تتم المشاركة ضمن ضوابط قانونية وتنظيمية تضمن حياد المؤسسة العسكرية وعدم توظيفها لصالح أي طرف انتخابي، إلا أنه وضع سقفًا جديدًا للتزكيات المطلوبة للترشح للانتخابات الرئاسية، إذ نص على أن يقدم المترشح 20 ألف تزكية من الناخبين.
يأتي ذلك إلى جانب عدم الربط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالشكل الوارد حاليا في القانون رقم 28 لسنة 2025 والإطار الدستوري، بما يستهدف منع تعطل أحد الاستحقاقين بسبب نتائج الآخر.
وفيما يتعلق بالانتخابات التشريعية اتفقت الأطراف الليبية على اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 إطارا وأساسا لإجراء الانتخابات، ومنح مجلس النواب المنتخب صلاحية معالجة الملفات المرتبطة بالدستور الدائم، بما في ذلك النظر في اعتماده.
ومنح الأحزاب السياسية حق المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية من خلال مرشحين أفراد في مختلف الدوائر الانتخابية، لإدخال الأحزاب بصورة أوضح إلى العملية السياسية والانتخابية، مع الإبقاء على آلية الترشح الفردي في الدوائر.
كيف سينعقد مجلس النواب بعد الانتخابات؟
وشمل الاتفاق آلية عمل المؤسسة التشريعية بعد انتخابها، على أن تعقد جلسات مجلس النواب المنتخب، وكذلك جلسات السلطة التنفيذية، بصورة دورية وفق ترتيب ثابت بين طرابلس وبنغازي وسبها، بهدف تعزيز مشاركة الأقاليم الثلاثة في إدارة مؤسسات الدولة، في ظل الانقسام الجغرافي والسياسي الذي طبع المشهد الليبي خلال السنوات الماضية.
متى سيتم إجراء الانتخابات؟
وحدد الاتفاق سقفًا زمنيًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أن تتم خلال 24 شهرا، على أن تتم العملية في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، ما يضع الأطراف أمام استحقاق سياسي كبير، إذ لا يقتصر الأمر على تحديد موعد زمني للانتخابات، وإنما يتطلب أيضا استكمال الترتيبات المؤسسية والقانونية اللازمة لإجرائها.
وفي حال تعذر تنفيذ المسار المتفق عليه، ينص الاتفاق على أن تعمل الأطراف بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؛ من أجل إيجاد الآلية المناسبة للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.
وحدد الاتفاق أيضا آلية لاعتماده وتنفيذه، فقد اتفقت الأطراف على العمل، بدعم من بعثة الأمم المتحدة، على اعتماد الاتفاق وطنيا من خلال آلية وطنية واسعة التمثيل، بما يكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه.
كما نص الاتفاق على اعتماده دوليا من خلال مجلس الأمن الدولي، بما يعزز الالتزام الدولي بمخرجاته، محددًا مهلة شهر واحد أمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للموافقة على الوثيقة بصيغتها الموقعة.
وفي حال عدم تمكن المؤسستين من إقرار الاتفاق خلال هذه المهلة، تنتقل الأطراف إلى آلية المصادقة الوطنية والدولية المنصوص عليها في الوثيقة.
وتعقيبًا على الاتفاق اعتبرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، توقيع الاتفاق خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية.
وأكدت أن الاتفاق أظهر إمكانية تحقيق نتائج عندما ينخرط الليبيون بصورة بناءة في الحوار، ويسعون إلى حلول عملية وقابلة للتنفيذ للقضايا العالقة.
وشددت تيتيه على أن المسؤولية تنتقل الآن إلى مرحلة التنفيذ، من خلال اعتماد الاتفاق وطنيا، وتطبيق الإطار الانتخابي المتفق عليه، وتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية الضرورية لإجراء انتخابات نزيهة.
كما رحب عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني بالاتفاق، مثمنا جهود بعثة الأمم المتحدة وأعضاء الاجتماع المصغر في معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها إعادة تشكيل مجلس المفوضية واستكمال المسائل الدستورية والقانونية اللازمة للانتخابات.
وقال الكوني في كلمة له عقب التوقيع، إن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الحوار إلى القرار ومن الاتفاق إلى التنفيذ، وصولا إلى صناديق الاقتراع، مشددًا على أن استمرار المرحلة الانتقالية ألحق أضرارا كبيرة بالبلاد، داعيا إلى إحالة مخرجات الاتفاق إلى المؤسسات المختصة لاعتمادها وتنفيذها.
وأكد الكوني ضرورة إشراك الأقاليم الليبية الثلاثة في صياغة مستقبل الدولة، مشددا على أهمية الجنوب، باعتباره جزءا أساسيا من وحدة ليبيا وأمنها ومستقبلها، وأن الانتخابات يجب أن تكون نهاية المرحلة الانتقالية لا مدخلا إلى مرحلة انتقالية جديدة.
في ذات السياق، رحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بتوقيع اتفاق 4+4، معتبرا إياه خطوة مهمة باتجاه إنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات.
وأكد الدبيبة في بيان له، أن رؤيته تقوم على أن يكون القرار للشعب الليبي من خلال انتخابات تنهي الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها من إرادة المواطنين.
وشدد على رفض أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى إعادة إنتاج المراحل الانتقالية والأجسام السياسية القائمة، معربا عن أمله في أن يؤدي الاتفاق إلى فتح الطريق أمام استحقاق انتخابي وطني يضع ليبيا على مسار الاستقرار والبناء.
ومن المنطقة الشرقية، رحب نائب القائد العام المكلف للقوات الليبية صدام حفتر بالتوقيع النهائي على الاتفاق، معتبرا إياه خطوة مهمة لإزالة العراقيل التي حالت دون إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
وأكد حفتر في بيان له، أن القيادة العامة بذلت جهودا للمساهمة في حل الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وشدد على استمرار دعمها لتوحيد البلاد ومؤسساتها، وأن الاتفاق أنهى مبررات التأخير، محذرا من أي محاولات لتعطيل المسار أو إعادة ليبيا إلى دوائر الانقسام، داعيًا إلى الانتقال سريعا إلى مرحلة التنفيذ وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن.



