الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ماذا لو عاد جمال حمدان إلى مصر في عام 2026؟

الإثنين 31/أغسطس/2026 - 02:45 م

ماذا لو عاد جمال حمدان إلى مصر في عام 2026؟، لا ليكتب جزءًا خامسًا من «شخصية مصر» هذه المرة، بل ليحمل خرائطه القديمة ويقوم بجولة جديدة في البلد الذي أمضى عمره يحاول فك منطقه العميق: علاقة المكان بالسكان، والجغرافيا بالتاريخ، والموقع بالقوة.

ربما يبدأ من القاهرة، لكنه لن يبقى فيها طويلًا، سيخرج عبر طرق ومحاور لم تكن موجودة في زمنه، ويرى مدنًا جديدة خارج الكتلة العمرانية القديمة، ويدخل العاصمة الإدارية الجديدة، ويتجه شرقًا نحو قناة السويس وسيناء، ثم يعود إلى الدلتا والصعيد والريف المصري.

ماذا كان سيرى؟

لا يستطيع أحد أن يتحدث باسم جمال حمدان، أو أن ينسب إليه رأيًا في مرحلة سياسية لم يعشها. لكن يمكن أن نستعين بمنهجه في طرح السؤال. فقد كان ينظر إلى مصر لا باعتبارها مساحة صامتة على الخريطة، بل باعتبارها علاقة حية بين المكان والدولة والسكان والتاريخ.

ولو استخدمنا هذه العدسة اليوم، فقد لا يكون أهم ما يلفت الانتباه مشروعًا بعينه، بل أن حركة الدولة والعمران أصبحت تمتد فوق مساحة أوسع من الخريطة المصرية التقليدية.

فعلى امتداد قرون، عاش معظم المصريين داخل نطاق ضيق حول النيل والدلتا، بينما بقيت مساحات واسعة خارج الكثافة التقليدية للعمران والحياة. ومن هنا ظل سؤال مصري قديم حاضرًا: كيف تتحول المساحة إلى مجال للحياة؟ وكيف تصبح الأرض جزءًا فعليًا من اقتصاد الدولة وحركتها اليومية؟.. هنا يصبح الطريق أكثر من طريق.


فالطريق لا يضيف أسفلتًا فقط، بل يعيد تعريف المسافة. مدينة كانت بعيدة تصبح أقرب. سوق يصعب الوصول إليها تصبح في المتناول. ميناء يزداد اتصالًا بمناطق الإنتاج. وأرض كانت على هامش الحركة يمكن أن تدخل إلى قلبها، ومع اختصار الزمن بين الأماكن، تتغير قيمة الأماكن نفسها.


لهذا، فالقيمة الأهم لشبكات الطرق والمحاور ليست فقط في عدد الكيلومترات التي أضيفت، بل في السؤال: ماذا قرّبت هذه الكيلومترات؟ ماذا ربطت؟ وما المناطق التي أصبحت أكثر اتصالًا بالإنتاج والخدمات والاستثمار؟
 

الجغرافيا لا تتغير، لكن قيمة الجغرافيا يمكن أن تتغير، الموقع ثابت، أما القدرة على استثماره فليست ثابتة.

وسيناء مثال واضح فهي ليست مجرد مساحة شرق قناة السويس، وإنما جزء شديد الأهمية من تكوين الدولة وموقعها ومن ثم يمكن قراءة الطرق والأنفاق وشبكات النقل ومشروعات التنمية فيها ضمن معنى أكبر: زيادة اتصال سيناء ببقية الجسد المصري، وإدخالها بصورة أعمق في حركة الاقتصاد والعمران والحياة.


والفكرة نفسها تظهر، بصورة مختلفة، في المدن الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة. فالتوسع خارج المراكز التقليدية ليس مجرد بناء مبانٍ جديدة، وإنما محاولة لإعادة توزيع جانب من الإدارة والعمل والاستثمار والخدمات على خريطة أوسع.

وفي الاتجاه الآخر تأتي «حياة كريمة». فإذا كانت المدن الجديدة توسع حدود المعمور، فإن تطوير القرى يرفع قيمة المكان الذي يعيش فيه المصريون بالفعل.

وهكذا يمكن قراءة السنوات الأخيرة باعتبارها حركتين على الخريطة: توسيع المجال من ناحية، ورفع كفاءة المجال القائم من ناحية أخرى.

لكن هنا يبدأ السؤال الذي يهمني أكثر: ما القيمة التالية لكل هذا؟، أتصور أن المرحلة المقبلة يمكن أن تضيف إلى «خريطة المشروعات» خريطة أخرى لا تقل أهمية:
 

«خريطة الفرص»

 

خريطة المكان تقول لنا أين يوجد الطريق، والميناء، والمنطقة الصناعية، والجامعة، والمستشفى، أما خريطة الفرص فتسأل: من يستطيع الوصول إليها؟ وفي كم من الوقت؟ وبأي تكلفة؟ وما الذي تغير في حياة المواطن بسببها؟، فالطريق الجديد لا ينبغي أن يُقاس فقط بطوله، بل أيضًا بعدد الدقائق التي اختصرها بين إنسان وفرصته.


كم دقيقة اختصرها لطالب في طريقه إلى جامعة؟
كم دقيقة اختصرها لمريض يحتاج إلى مستشفى؟
كم ساعة وفرها لعامل يصل إلى مصنع؟
وكم سوقًا جديدة فتحها أمام مزارع أو صاحب مشروع صغير؟
والمدينة الجديدة لا تُقاس فقط بعدد وحداتها أو مبانيها، بل أيضًا بكم فرصة عمل ومعرفة وخدمة ونشاط اقتصادي استطاعت أن تخلقها حولها.
هنا تتحول البنية الأساسية من خرسانة إلى قدرة.
وهنا يصبح قياس «الوصول» جزءًا من قياس التنمية نفسها.

فنحن نرسم خرائط للطرق والمدارس والمستشفيات والمصانع والموانئ والجامعات. لكن ماذا لو أضفنا إليها خريطة ترسم الزمن والمسافة بين المواطن وبين هذه الأصول؟

يمكن أن نعرف في كل قرية ومدينة ومحافظة: كم يستغرق الوصول إلى مستشفى جيد؟ إلى جامعة؟ إلى مركز تدريب؟ إلى فرصة عمل؟ إلى سوق؟

وعندها يصبح لدينا مقياس آخر لقيمة الاستثمار العام: ليس فقط ما بنيناه، بل ما جعلناه أقرب.
فالوقت تكلفة. والمسافة تكلفة. وصعوبة الوصول قد تحول فرصة موجودة على الورق إلى فرصة غير موجودة في حياة الإنسان.
وحين تختصر الدولة هذه المسافة، فهي لا تسهّل الحركة فقط؛ بل توسع مجال الاختيار أمام المواطن.
قد يكون أقوى أثر لطريق جديد أنه جعل وظيفة كانت بعيدة ممكنة. وقد يكون أهم أثر لشبكة نقل أنها وسعت السوق التي يستطيع الشاب أن يبحث فيها عن عمل. وقد تكون القيمة الكبرى لمستشفى جديد أنه جعل الرعاية المتخصصة في متناول منطقة كانت تبعد عنها ساعات.

بهذا المعنى، يمكن أن تصبح «خريطة الفرص» أداة تخطيط، لا مجرد تعبير صحفي.
يمكن أن تساعد في تحديد المناطق التي تمتلك بنية أساسية لكن عائدها الاجتماعي والاقتصادي ما زال قابلًا للتعظيم، والمناطق التي تحتاج إلى حلقة اتصال أخيرة، والمناطق التي يمكن أن يتحول فيها تدخل محدود في النقل أو التدريب أو الخدمات إلى عائد كبير؛ لأن البنية الرئيسية أصبحت موجودة بالفعل.

وهنا تظهر نقطة أراها جديرة بأن تكون محور المرحلة التالية: بعد الاستثمار الكبير في ربط المكان، كيف نعظّم العائد من هذا الربط؟

فالطريق يمكن أن يكون مشروع نقل، لكنه أيضًا مشروع عمل، والجامعة مشروع تعليم، لكنها أيضًا نقطة جذب اقتصادي ومعرفي، والمستشفى مشروع صحة، لكنه أيضًا جزء من قدرة الأسرة على الاستقرار والعمل، والمدينة الجديدة مشروع عمران، لكنها قد تصبح منصة لإعادة توزيع السكان والوظائف والخدمات.

وربما هنا يعود جمال حمدان إلى المشهد، أتخيله، في نهاية جولته، يدخل إلى لقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جواره خريطة مصر التي عرفها، وأمامه خريطة أخرى تغيرت فوقها مسارات الطرق والمحاور، وظهرت مدن جديدة، واتسعت شبكات الاتصال والعمران.

لن يكون من حقنا أن نخترع رأيًا لجمال حمدان في زمن لم يعشه، أو أن نضع على لسانه حكمًا سياسيًا لم يقله. لكن يمكن أن نتخيل السؤال الذي قد يقوده إليه منهجه.

قد ينظر إلى الخريطة الجديدة، ثم يضع أمام الرئيس خريطة ثالثة، لا ترسم الجبال، ولا الطرق، ولا المحافظات، بل ترسم «خريطة الفرص».

خريطة تقول لنا، في كل قرية ومدينة ومحافظة: كم أصبح المواطن قريبًا من فرصة عمل؟ ومن جامعة؟ ومن مستشفى؟ ومن مركز تدريب؟ ومن سوق؟ وكم من الزمن اختصرته الاستثمارات الجديدة بين الإنسان وبين الفرصة؟

ثم يضع السؤال على الطاولة: بعد أن اتسعت خريطة المكان.. كيف نجعل خريطة الفرص تتسع معها لكل مصري؟

وهنا، في تقديري، تبدأ القراءة التالية لما تحقق، فالقيمة التالية للطريق ليست طريقًا آخر بالضرورة، وإنما كل فرصة يستطيع الطريق القائم أن يفتحها، والقيمة التالية للمدينة ليست عددًا آخر من المباني، وإنما ما تستطيع أن تجذبه من عمل ومعرفة وإنتاج وخدمات.
 

والقيمة التالية لربط أجزاء الدولة ليست فقط أن تصبح المسافات أقصر، وإنما أن تصبح الخيارات أمام الإنسان أوسع.

وهكذا يمكن أن نضيف إلى خرائط التخطيط التقليدية مفهومًا آخر: أن نقيس ليس فقط أين أنجزنا، وإنما ماذا أصبح ممكنًا بسبب ما أنجزناه.

وعندها قد تتحول «خريطة الفرص» من صورة في مقال إلى أداة للتخطيط، نعرف بها أين توجد البنية الأساسية لكن لا يزال عائدها الممكن أكبر، وأين يمكن لتدخل محدود أن يضاعف قيمة استثمارات كبيرة أصبحت موجودة بالفعل.

وربما عند هذه النقطة يضع جمال حمدان القلم على الطاولة، لأن السؤال هنا يتجاوز جمال حمدان، ليصبح سؤالًا عن الخطوة التالية في مسار التنمية المصرية: كيف نحول الخريطة التي بنيناها إلى أكبر قدر ممكن من الفرص للإنسان الذي يعيش فوقها؟

فالمكان يمنح مصر إمكاناتها، والبنية الأساسية تفتح الطريق أمام هذه الإمكانات، أما القيمة النهائية، فتظهر عندما يستطيع الإنسان أن يصل إليها ويستخدمها ويحوّلها إلى عمل ومعرفة وإنتاج وحياة أفضل.

وربما لهذا، إذا أردنا أن نرسم الخريطة التالية لمصر، فلن نحتاج فقط إلى معرفة أين يمتد الطريق وأين تقوم المدينة.

سنحتاج أيضًا أن نرسم فوقها شيئًا لا يظهر عادة في خرائط الجغرافيا.. كل فرصة أصبحت أقرب إلى مصري بسبب ما تغيّر في خريطة مصر.

تابع مواقعنا