تلميذ الشيخ عامر عثمان.. كيف عاش شيخ الصناع فصوله الأخيرة؟
الرجال الذين يتتلمذون في شبابهم على أيدي علماء القرآن، لا تهزمهم مرارة الخروج من المناصب، بل يعتصمون بالصمت والسكينة حين تجور عليهم الأيام.
إذا كان الجزءان السابقان قد تناولا مرحلة التأسيس، ثم كواليس الإزاحة وتفاصيل جدار الصمت، فإن هذا الفصل الأخير يفتح الصفحة الأكثر درامية وإيلامًا في حياة المهندس إبراهيم سالم محمدين؛ الصفحة التي لم تُكتب في وثائق الشركات والأسهم، بل حُفرت في تفاصيل المعاناة الإنسانية لرجل عاش أواخر أيامه بين أمراض الشيخوخة، وجحود البشر، وأصالة النبت الأول.
من حلقات القرآن إلى مصانع الصلب
قد يعرف الجميع المهندس إبراهيم سالم محمدين وزيرًا للصناعة في حكومة حرب أكتوبر، أو مهندسًا تكنوقراط أدار أكبر المؤسسات الوطنية.. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو الخلفية الروحية والأخلاقية لهذا الرجل.
ففي وثائق تراجم الأعلام الملحقة بكتاب علوم القرآن الشهير «هداية القاري إلى كلام الباري»، يُسجل التاريخ في ملحق تلامذة الشيخ عامر عثمان (أحد أئمة قراءات القرآن والتجويد في مصر) اسم «إبراهيم سالم محمدين وزير الصناعة بمصر» كأحد أبرز تلامذته الأعلام.
هذه المعلومة لا تروي مجرد تفصيلة في سيرة ذاتية، بل تفسر الجوهر النفسي والنزاهة التي أدار بها الرجل حياته؛ فالذي تربى في حلقات علوم القرآن وشبّ على أدبيات الكتاتيب، لم تكن الصناعة لديه مجرد أرقام وأرباح، بل كانت "رسالة إعمار" يبني فيها المصنع بجوار المسجد، ويراعي فيها حرمة المال العام والضمير الإنساني.
خريف الباني: عندما تجمعت كل الخطوب
في سنواته الأخيرة، لم يكن شيخ الصناع يواجه فقط ثقل السنين؛ بل تجمعت عليه المحن النفسية والبدنية من كل حدب وصوب:
- *ضعف البدن*: تدهور شديد في البصر والسمع أحاط سنواته الثمانينية بالعزلة.
- *إيلام الروح*: مرض زوجته وشريكة عمره وإقعادها تمامًا على الفراش.
- *الجحود ونكران الجميل*: صدرت قرارات بالحجز على أمواله وممتلكاته في إطار التحقيقات والقضايا التي أعقبت ثورة 2011، ليجد الرجل الذي أفنى شبابه في بناء صروح الدولة نفسه مكسور الجناح ومحاصرًا في رزقه!
كان المشهد يختصر نكران الجميل بأقسى صوره: تملص وتنصل من مؤسسات وأفراد انتفعوا طويلًا بجهده ورؤيته.
المؤتمر الصحفي 2013: كسر الصمت المطبق
أمام هذا الجحود، وهذا التراجع النفسي والبدني، لم أستطع كحفيده وكطبيب أن أقف مكتوف الأيدي وأرى تاريخه يُختزل أو يُدفن وهو حي.
حاولت بشتى الطرق أن أخرجه من عزلته، وأن أجعله يتحدث دفاعًا عن كرامته وتاريخه. وفي مارس 2013، قمت بالحشد والتنظيم لمؤتمر صحفي موسع بالقاهرة—حضرته وسائل الإعلام والصحف الكبرى—ليخرج المهندس إبراهيم سالم محمدين عن صمته الطويل، ويشرح للرأي العام كيف أن المؤسسات الوطنية هي التي أسست الدخيلة، وكيف أُزيح هو لتبدأ مرحلة أخرى.
كواليس 2016: مفارقة تاريخية
لكن القصة شهدت في عام 2016 فصلًا آخر شديد التكثيف والدلالة، حين فوجئت العائلة بزيارة من أحد الأطراف الرئيسية في الصفقة التاريخية إلى منزل جدي.
لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية للاطمئنان على صحة الباني الراحل؛ بل حملت في كواليسها، وبحسب رواية العائلة، طلبًا واضحًا: *«عدم التحدث كثيرًا في وسائل الإعلام أو الخوض في تفاصيل الماضي!»*.
كانت هذه الزيارة تكثيفًا للمفارقة التاريخية: الرجل الذي أُزيح من شركته عام 2000، والذي عانى من الحجز ونكران الجميل، يُطلب منه مجددًا في خريف عمره وعلى فراش المرض أن يلتزم الصمت وأن تظل الرواية مكتومة!
البصمة الروحية والعدالة المؤجلة
رغم الحجز، ورغم ضعفي السمع والبصر، ورغم الرجاء المستمر بالصمت، ظل جدي يحمل في قلبه سكينة تلميذ القرآن الذي يعلم أن الأثر الحقيقي لا يمحوه قرار إداري ولا تجور عليه أحكام المحاكم.
كان يتعزى بـ «مسجد المدينة» الذي أسسه داخل مجمع الدخيلة عام 1985، وبالمصلين الذين يفترشون ساحاته في رمضان والأعياد، وبدعوات العمال التي ارتفعت لسنين طويلة. كان يدرك بأنه إذا كانت عدالة الأرض قد خذلته وحجزت على ممتلكاته، فإن عدالة السماء لا تظلم أحدًا.
ورحل المهندس إبراهيم سالم محمدين بعد أن عاش مرارة الخروج، وقسوة المرض، وجحود المقربين، محاطًا بصمته الكبير وكبرياء جيله.
أنا لم أكتب هذه السلسلة لنبش القضايا أو طلب التعاطف؛ فالرجل أفضى إلى ربه ورحل عن دنيانا. لكنني كتبت شهادتي كحفيد خاض المعركة بجانبه، ليحي ذكرى رجل تعلم القرآن صغيرًا، وبنى لوطنه كبيرًا، وعاش مظلومًا، ورحل مرفوع الهامة. *والتاريخ وحده هو الذي سيحكم.*


