الجمعة 04 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

خطوط صدع ومصانع ذكية.. كيف تعيد قمة القاهرة هندسة علاقة مصر والصين؟

الخميس 03/سبتمبر/2026 - 04:19 م

سبعون عامًا مضت على بداية العلاقة الدبلوماسية بين مصر والصين، إلا أنني حين تابعت مثل الجميع مجريات زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج وقرينته إلى القاهرة، والاستقبال الرسمي الحافل الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي، والبيان المشترك الصادر عن قمة القاهرة الأخيرة – شعرت بأن هذا الرقم لم يعد مجرد ذكرى، بل أصبح نقطة تحول حقيقية، وهو ما أكدته المخرجات التي جعلتنا لسنا أمام موسم جديد من التبادل البروتوكولي، بل أمام إعادة تعريف للعلاقة من جذورها.

ما لفت نظري حقًا في القمة والبيان الختامي لها، هو ذلك التفاهم غير المعلن حول "خطوط الصدع" الخاصة بكل دولة، فالصين حصلت على تأكيد مصري واضح وصريح بشأن تايوان، وهو ما تفعله القاهرة بثبات، وفي المقابل، جاءت الجملة الصينية التي تعترف بحقوق مصر المائية في النيل وكأنها رسالة حاسمة لكل من يسعى إلى المساس بهذا الملف الاستراتيجي، وأتصور أن هذا الأمر يمثل جوهر العلاقة الناضجة، حيث تم وضع السيادة فوق الطاولة بشكل متبادل بكل وضوح وشفافية، وكأن الطرفين يقولان لبعضهما: "لن نقبل أي مساومة تمس أمننا القومي، وتلك هي الأرضية الراسخة التي نقف عليها معًا."

لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام بعيدًا عن عناوين الصحف، يكمن في التفاصيل الاقتصادية، فنحن هنا لسنا أمام صفقة استيراد وتصدير، بل أمام مشروع "توطين" حقيقي، فعندما تقرر الصين نقل صناعة السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات إلى مصر، فهذا يعني أن بكين لم تعد تنظر إلى القاهرة كمجرد عميل تجاري، بل كذراع صناعي ولوجستي يربط آسيا بأفريقيا، وهو ما تكشفه الأرقام التي تؤكد جدية هذا التحول، فمصر خصصت للعام المالي 2025/2026 استثمارات عامة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بقيمة 13 مليار جنيه، لكن الطموح الأكبر تمثل في استهداف جذب استثمارات خاصة بقيمة 148 مليار جنيه خلال العام ذاته – أي ما يزيد على عشرة أضعاف الاستثمار العام – موزعة بين 112.8 مليار للاتصالات و35.5 مليار لتكنولوجيا المعلومات، وذلك بالتزامن مع الخطط الداعمة لرفع الصادرات الرقمية السنوية إلى 8.5 مليار دولار.
هذا الرقم الضخم يفسر لماذا تسعى بكين لوضع مصر في قلب استراتيجيتها الصناعية، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالًا مصيريًا: هل البنية التحتية والكوادر المصرية مستعدة حقًا لهذا الزخم التقني؟ خاصة وأن الفارق بين المعلن وما يتم تنفيذه غالبًا ما يكون شاسعًا في منطقتنا، إلا أن وجود لجان وزارية ومتابعة دورية يوحي بأن الأمور قد تكون جادة هذه المرة.

في زاوية أخرى من البيان، أرى محاولة جريئة لكسر هيمنة الدولار، عبر التعامل بالعملات المحلية، ولا أظن أن أحدًا ساذجًا بما يكفي ليعتقد أن هذا سينهي وضع الدولار بين عشية وضحاها، لكن الأهم هو الرسالة السياسية التي تتمثل في بناء شبكة مالية موازية، وكأن مصر والصين تحاولان تأمين نفسهما ضد أي مفاجآت غربية، في مشهد يرقى إلى تحوط استراتيجي بامتياز.

وإقليميًا، يرسم ما ورد في البيان الختامي خريطة واضحة للعدو والصديق، فالموقف المتطابق تجاه القضية الفلسطينية ورفض التهجير، والتوافق على أن أمن البحر الأحمر من مسؤولية الدول المشاطئة، يعكس رغبة حقيقية في إخراج المنطقة من منطق المحاور. وما لفت نظري هنا هو أن الطرفين لم يكتفيا بالشجب والاستنكار، بل دخلا في تفاصيل الأزمة السودانية، وكأنهما يضعان إطارًا عمليًا لإنهاء الصراع بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي تغذي الفوضى.

غير أن قراءتي للمشهد رغم إعجابي بكثير منه، لا تخلو من تحفظات جوهرية، وأثناء تأملي لهذه الطموحات، انتابني شعور بالقلق إزاء قدرة القطاع التكنولوجي المصري على استيعاب كل هذا الزخم. فمن ناحية، لدينا نقاط قوة حقيقية لا يمكن إنكارها – دعم سياسي رفيع المستوى، وقاعدة بشرية متميزة من المبرمجين والمهندسين، وبيئة من أكبر بيئات الشركات الناشئة في الشرق الأوسط، ناهيك عن موقع جغرافي استراتيجي يضع مصر في قلب أي خريطة لوجستية. لكن من ناحية أخرى، ما زالت البيروقراطية تعوقنا، وما زالت الفجوة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات السوق واسعة، وما زال الإنفاق على البحث والتطوير في القطاع الخاص دون المستوى المطلوب، وما زالت صادراتنا التكنولوجية تهيمن عليها منتجات منخفضة القيمة المضافة.

ورغم أن الفرص المتاحة هائلة – فبحلول 2030، من المتوقع أن تصل مساهمة الذكاء الاصطناعي في اقتصادنا إلى 42.7 مليار دولار، وأن ينمو سوق تكنولوجيا المعلومات من 3.5 مليار دولار عام 2025 إلى 9.2 مليار – إلا أن التهديدات لا تقل خطورة، فشح العملات الأجنبية يعقد استيراد مستلزمات الإنتاج، وارتفاع معدلات الفائدة عالميًا يثقل كاهل التمويل، والاضطرابات الجيوسياسية تضفي مزيدًا من عدم اليقين، إلا أن الأخطر من ذلك، يتمثل في تحول مصر إلى مجرد ساحة تنافس بين القوى الكبرى، دون أن تمتلك القدرة على أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة التكنولوجيا.

هنا تحديدًا، تظهر أسئلة مصيرية: كيف ستتعامل القاهرة مع العقوبات الأميركية الثانوية إذا ما تم تضييق الخناق على التعاون التكنولوجي مع الصين؟ وهل الجنيه المصري في وضعه الحالي قادر على تحمل موجات تقلب العملات في ظل هذا التحول النقدي؟ الحقيقة أن الأجوبة ليست سهلة، لكن الذي يطمئن قليلًا هو أن البيان لم يتغافل عن هذه النقاط تمامًا، بل ترك الباب مفتوحًا لآليات تفاوض مرنة.

ما شدني أكثر من المصالح الضيقة، هو البعد الحضاري الذي يزاحم الخطاب الغربي المهيمن، فحين تضع مصر والصين حضارتيهما العريقتين في صياغة البديل التنموي، فإنهما تنتزعان الهيمنة من مركزية الغرب كوجهة وحيدة للحداثة. لذا فإنني أرى في هذا البيان، رغم طابعه الرسمي، محاولة لخلق حالة من القوة الناعمة التي لا تكتفي بالموسيقى والأفلام، بل تتغلغل في نظريات التنمية ذاتها.

في النهاية، أعتقد أن هذه الزيارة والبيان الختامي لها، سيكونان علامة فارقة، لكن يظل السؤال الأهم المتمثل في: هل تتحول النصوص البراقة إلى مصانع وكابلات ومشاريع حقيقية؟ أعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، والتهديدات المالية والجيوسياسية حقيقية، لكن الفرص والاستثمارات التي تتجاوز 148 مليار جنيه تجعل الرهان كبيرًا لدرجة لا تسمح بالتراجع.

لا أحد يملك إجابة قاطعة الآن، لكن الأكيد أن العالم لم يعد ذلك الفضاء الأحادي الذي اعتدناه، خاصة وأن مصر والصين تراهنان على بناء فضاء جديد، وإن كان مليئًا بالتحديات والعقبات.

 

تابع مواقعنا