عداد واضح وسعر معلوم وفاتورة صحيحة.. ماذا يريد المواطن من منظومة الكهرباء؟
منذ يوليو 2024، لم يعد ملف الكهرباء مجرد قضية تتعلق بتوفير التيار أو تحديد سعر الكيلووات.. القصة اتسعت لتصبح اختبارًا يوميًا لعلاقة المواطن بالوزارة، من العداد الكودي إلى الفاتورة، ومن التصالح إلى الشرائح، ومن قرار إلى قرار جديد يعيد رسم القاعدة من البداية.
في قطاع يمس كل منزل ومحل ومصنع، لا تكفي صحة القرار وحدها؛ الأهم أن يعرف المواطن كيف يطبّق، ومتى يتغير، وما الذي سيحدث له بعد ذلك.
وهنا تحديدًا تبدو المشكلة.
خلال نحو عامين، شهدت منظومة الكهرباء سلسلة من التحركات في ملفات الأسعار والعدادات الكودية والتحصيل والفواتير، لكل خطوة مبرراتها المعلنة، لكن تراكم الخطوات خلق سؤالًا أكبر من كل قرار منفرد:
هل أصبحت قواعد التعامل مع الكهرباء واضحة ومستقرة بما يكفي للمواطن؟
القصة بدأت بعداد كودي
عندما اتجهت وزارة الكهرباء في أغسطس 2024 إلى التوسع في تركيب العدادات الكودية للمباني والمنشآت التي تحصل على الكهرباء بصورة غير قانونية، كان الهدف الأساسي هو إنهاء ظاهرة التوصيلات المخالفة وتحويل الاستهلاك غير المقاس إلى استهلاك يمكن رصده ومحاسبته.
الرسالة وقتها كانت بسيطة نسبيًا: بدلًا من كهرباء بلا عداد.. سيكون هناك عداد يقيس الاستهلاك.
لكن العداد الذي بدأ كحل فني مؤقت سرعان ما أصبح مرتبطًا بملفات أخرى أكثر تعقيدًا؛ التصالح، وتقنين الأوضاع، والتعاقد، وطريقة المحاسبة، وسعر الكيلووات.
ومع دخول هذه الملفات على الخط، لم يعد المواطن يسأل فقط: «متى يتم تركيب العداد؟».
بل أصبح السؤال:
«أي نظام سأحاسب عليه؟»
2.74 جنيه.. عندما أصبح العداد الكودي قصة مختلفة
تعريفة موحدة لأصحاب العدادات الكودية
في أبريل 2026، جاءت التعريفة الجديدة لتضيف طبقة أخرى إلى الأزمة، فبينما يخضع المستهلك القانوني لنظام الشرائح، ارتفع سعر الكيلووات بالنسبة للعدادات الكودية إلى 2.74 جنيه، مقارنة بـ2.14 جنيه قبل الزيادة.
وبذلك لم يعد امتلاك العداد وحده كافيًا لمعرفة قيمة الفاتورة؛ فالوضع القانوني للعقار أصبح عنصرًا مؤثرًا في طريقة المحاسبة.
وهنا ظهرت المفارقة.
العداد الكودي وُجد في الأساس لقياس الاستهلاك وضبطه، لكنه أصبح بالنسبة للمواطن بوابة إلى نظام محاسبة مختلف.
ثم جاءت خطوة أغسطس 2026 لتعيد المشهد مرة أخرى.
فقد تقرر إعادة نحو 550 ألف عداد كودي إلى نظام الشرائح لمن أنهوا إجراءات التصالح إلكترونيًا ولم يستكملوا التعاقد القانوني، أي أن المواطن الذي كان يخضع لسعر موحد أصبح بإمكانه، بعد استيفاء شروط معينة، العودة إلى نظام الشرائح.
الكهرباء تحت المجهر.. لماذا تتغير القواعد بينما يبحث المواطن عن الاستقرار؟
العداد نفسه موجود.. لكن طريقة الحساب تغيرت، وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف.
المواطن يرى فاتورته فقط
من داخل الوزارة قد تبدو الصورة مختلفة.
هناك خسائر في الشبكات.
وهناك سرقات للتيار.
وهناك تكلفة لإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء.
وهناك عقارات مخالفة تحتاج إلى تنظيم أوضاعها.
وهناك حاجة إلى رفع كفاءة التحصيل.
لكن المواطن لا يتعامل مع هذه المعادلات بصورة مباشرة، هو يرى شيئًا واحدًا في النهاية: رقمًا على فاتورة الكهرباء.
ولهذا فإن أي تغيير في طريقة المحاسبة يتحول سريعًا من قرار إداري إلى قضية تمس ميزانية الأسرة.
وهنا يصبح وضوح القرار جزءًا من القرار نفسه.
لا زيادة.. ثم تعريفة جديدة.. أزمة الرسالة لا القرار
في فبراير 2026، خرجت تصريحات رسمية تؤكد عدم تحريك أسعار الكهرباء خلال الفترة الحالية.
وفي مارس، جرى التأكيد مجددًا على أن الحكومة لم ترفع الأسعار خلال العامين السابقين، وأن أي قرار جديد سيُعلن رسميًا، ثم جاءت تعريفة أبريل.
من الناحية الرسمية، لا يعني ذلك بالضرورة وجود تعارض مباشر؛ فالتصريحات كانت مرتبطة بتوقيت محدد، ولم تكن وعدًا أبديًا بثبات الأسعار.
لكن المشكلة كانت في المسافة الزمنية القصيرة بين الرسالة والتغيير.
المواطن العادي لا يتعامل مع البيانات الحكومية باعتبارها نصوصًا قانونية تحتاج إلى قراءة دقيقة للمدد والاستثناءات.
هو يسمع: «لا زيادة».
ثم بعد فترة قصيرة يرى سعرًا جديدًا في فاتورته.
سبتمبر يعيد السؤال من جديد
لم ينته الجدل عند الأسعار.
في سبتمبر 2026، عاد ملف تركيب العدادات الكودية إلى الواجهة مع الحديث عن اشتراط استيفاء الموافقات اللازمة وربط إجراءات التوصيل بالموقف القانوني للعقار والتصالح.
وفي المقابل، استمر استقبال الطلبات عبر المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، مع التأكيد على أن الأمر لا يمثل وقفًا عامًا لتلقي الطلبات.
مرة أخرى، يجد المواطن نفسه أمام مصطلحات من نوع:
مسموح.. ولكن بشروط.
الطلبات مستمرة.. ولكن التنفيذ مرتبط بإجراءات أخرى.
وهذه التفاصيل قد تكون مفهومة تمامًا داخل الأجهزة الإدارية، لكنها تصبح أكثر صعوبة بالنسبة لمواطن يريد إجابة مباشرة عن سؤال واحد:
«هل سيُركب لي العداد أم لا؟»
ثم جاءت الفواتير.. وهنا دخلت الأزمة مرحلة مختلفة
إذا كان ملف العدادات يمثل أزمة قواعد، فإن الفواتير تمثل أزمة ثقة.
الفاتورة هي الوثيقة التي يراها المواطن كل شهر، وأي رقم غير متوقع فيها يتحول إلى شكوى واعتراض ومطالبة بالمراجعة.
ولهذا اكتسبت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2026 بشأن التدقيق في فواتير الكهرباء وتجنب التقديرات الجزافية أهمية خاصة.
وبعدها تحركت وزارة الكهرباء لمراجعة منظومة إصدار الفواتير، مع التشديد على القراءات الفعلية وتصوير العدادات وعدم الاعتماد على القراءات غير المصورة.
المعنى هنا واضح:
الفاتورة يجب أن تبدأ من العداد، لا من التقدير.
لكن وصول الملف إلى هذه الدرجة من التدقيق يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا:
إذا كانت القراءة الفعلية هي الأساس، فلماذا ظل المواطن في بعض الحالات يشعر بأن الفاتورة لا تعكس استهلاكه؟
ملايين البلاغات.. الرقم الذي لا يمكن تجاهله
منظومة الكهرباء تتعامل مع قاعدة ضخمة من المشتركين، وبالتالي فإن كثرة البلاغات والطلبات والشكاوى ليست وحدها دليلًا على وجود خلل في كل فاتورة.
لكن ارتفاع حجم التعاملات والشكاوى يكشف شيئًا آخر:
المنظومة تواجه ضغطًا هائلًا في علاقتها بالمواطن.
وكلما زادت الإجراءات، وتعددت طرق المحاسبة، وتغيرت القواعد، أصبح العبء أكبر على مراكز الخدمة وشركات التوزيع وعلى المواطن نفسه.
وهنا لا تصبح المشكلة فقط في «خطأ فاتورة».
المشكلة تصبح في تكلفة الوصول إلى الحقيقة.
هل تمتلك الوزارة الآن قاعدة نهائية واضحة ومستقرة يستطيع المواطن أن يعرف من خلالها كيف سيحاسب؟
لأن المواطن لا يرى الاجتماعات الداخلية، ولا يعرف تفاصيل التنسيق بين الوزارة والشركة القابضة وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء والجهات المحلية.
هو يرى النتيجة فقط.
قرار جديد.
سعر جديد.
ضابط جديد.
تفسير جديد.
ثم فاتورة جديدة.
وبالتالي، كلما تغيرت القاعدة بسرعة، أصبح من الصعب على المواطن تكوين ثقة مستقرة في المنظومة.
المطلوب ليس قرارًا جديدًا.. بل نهاية القرارات المتلاحقة
ربما يكون أصعب قرار أمام وزارة الكهرباء خلال المرحلة المقبلة هو ألا تصدر قرارًا جديدًا.
بمعنى آخر، أن تتوقف لفترة عن تغيير القواعد، وتعمل على تثبيت ما تم إقراره، وشرح المنظومة بالكامل للمواطن.
العداد الكودي يحتاج إلى خريطة واضحة:
متى يركب؟
بأي شروط؟
كيف تتم محاسبته؟
متى ينتقل إلى الشرائح؟
وما الذي يحدث بعد التصالح؟
والفاتورة تحتاج إلى قاعدة لا لبس فيها:
كيف تتم القراءة؟
كيف يتم حساب الاستهلاك؟
متى تستخدم القراءة التقديرية؟
وكيف يعترض المواطن؟
أما الأسعار فتحتاج إلى رسالة أكثر وضوحًا بشأن اتجاهاتها، حتى لا يفاجأ المواطن بانتقال سريع من خطاب إلى آخر.
في النهاية.. المواطن لا يريد أن يصبح خبيرًا في الكهرباء
المواطن لا يفترض أن يكون خبيرًا في قرارات الوزارة.
ولا يفترض أن يقرأ كل بيان رسمي ليفهم هل ينطبق عليه القرار أم لا.
ولا يفترض أن يعرف الفرق بين العداد الكودي والعداد القانوني ونظام الشرائح وإجراءات التصالح حتى يستطيع معرفة قيمة فاتورته.
كل ما يريده بسيط:
عداد واضح.. سعر معلوم.. فاتورة صحيحة.. وقاعدة لا تتغير كل بضعة أشهر، وهنا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام وزارة الكهرباء خلال المرحلة المقبلة.





