جسد واحد احتضن علَمين.. حكاية الشهيد الفلسطيني عمر النعسان وسر عشقه لمصر
سُمرة وجهه مصرية، وملامحه فلسطينية، وقلبه معلّق بين القاهرة والضفة الغربية؛ فعاش على حب وحنين، وأبى إذا نال الشهادة إلا أن يلف جسده بعلميهما، عشقًا ووجدًا لترابهما، هكذا اختار أن تكون وصيته الأخيرة، في مشهدٍ أثار حديث العرب والعالم، ودفع الجميع إلى التساؤل بدهشة: ما الذي يدفع شابًا في التاسعة عشرة من عمره أن يختار، في جنازته، أن يُدثّر بعلمي مصر وفلسطين؟ إنه الشهيد عمر النعسان.
الشهيد عمر النعسان
وللإجابة عن هذا السؤال وغيره، لم نجد شخصًا أحق بالحديث عنه من والدته، السيدة رانيا الجزار، التي اختصت «القاهرة 24» بأول حديث صحفي عن نجلها الشهيد عمر، فهي من زرعت في قلبه منذ طفولته معنى الوطن والانتماء، ونسجت في وجدانه حب مصر وفلسطين، حتى صدق فيها قول شاعر النيل حافظ إبراهيم: «الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها.. أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراق».
في قرية المغير التابعة لرام الله في الضفة الغربية المحتلة، وبعد أيامٍ ثقيلة من الحداد على نجلها، فتحت الأم قلبها المنكسر، واستعادت تفاصيل من سيرة عمر، تتحدث عنه بكلماتٍ تختلط فيها مرارة الفقد بحنان الأم؛ فتصفه بأنه كان «أطيب أبنائها»، وأكثرهم قربًا منها وبرًا بها وبوالده.
وتروي أنه كان متفوقًا في دراسته، شغوفًا بإصلاح الأجهزة الإلكترونية، حتى أصبح ملاذًا لأقاربه وأصدقائه كلما تعطّل هاتف محمول أو جهاز «لاب توب»، فامتلك براعة لافتة في التعامل مع الأجهزة وتشخيص أعطالها وإصلاحها، وكان يجد في مساعدة الآخرين متعةً لا تقل عن شغفه بما يتعلمه، حتى بات حلم الالتحاق بكلية الهندسة أقرب إليه من أي وقت مضى، ولم يكن يفصله عنه سوى أيام قليلة.
عمر النعسان.. من أحياء مدينة السادس من أكتوبر إلى قرية المغير بالضفة الغربية
تستذكر الأم، وهي مصرية الجنسية، بصبرٍ يختلط بوجع الفقد، نجلها عمر، المولود في مدينة السادس من أكتوبر، حيث تشكلت ملامح هويته الأولى بين شوارعها ومدارسها، وظلت تلك السنوات حاضرة في ذاكرته، حتى بعد انتقاله للعيش في الضفة الغربية، مسقط رأس والده.
وتضيف قائلة: لم تكن مصر بالنسبة إلى عمر مجرد مكانٍ وُلد فيه، بل جزءًا من لحمه ودمه وذاكرته وهويته، كما كانت فلسطين جزءًا أصيلًا منه؛ فكان يعتز بأنه مصري وفلسطيني في آنٍ واحد، ويرى في البلدين وطنين يسكنان قلبًا واحدًا، لا يتنازعان فيه على المحبة.

وتكشف والدته عن واحدة من ذكريات طفولة نجلها التي تختصر هذا الانتماء المزدوج؛ فتروي أنه حين انتقل للعيش بالضفة الغربية، كان زملاؤه يرددون في الطابور المدرسي النشيد الوطني الفلسطيني «فدائي»، وكان هو يضحك عليهم ويردد بدلًا منه نشيد «بلادي بلادي»، في إشارة إلى مصر التي ظل يحملها معه أينما ذهب.
وتستكمل: مع انتقاله إلى قرية المغير في رام الله، لم يتراجع ذلك الحب، بل اتسع ليضم الوطنَين معًا؛ فكان يتحدث المصرية معها، وباللهجة الفلسطينية مع أبناء قريته، حتى إن لكنته باتت مزيجًا خاصًا يجمع بينهما، تمامًا كما كان قلبه يتسع لمصر وفلسطين، قائلة: مصر وفلسطين كانوا عنده نفس الغلاوة.. وبيتباهى دايما إنه يحمل الجنسيتين.
تفاصيل استشهاد عمر النعسان
وفي تفاصيل يومه الأخير، تستعيد الأم مشاهد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها صارت بعد رحيله أثمن ما تبقى لها منه، فتتذكر أنه أخبرها بأنه سيذهب لحلاقة شعره، وظل يسألها عن الشكل الذي يختاره، فقالت له: خففه يا عمر، بلاش يكون طويل، مضيفة بأنه جلس إلى مائدة الطعام، وتناول المكرونة بالبشاميل التي كان يحبها، مشيرة إلى أن كل تلك المشاهد كانت تعد تفاصيل صغيرة عادية، لكنها لم تكن تعلم أنها ستصبح بعد ساعات قليلة آخر ما تختزنه ذاكرتها عن نجلها، فتردد برضًا قائلة: الله يرضى عليه.
وتشير الأم إلى أنه لم يكن في البيت ما يوحي بأن ذلك اليوم سيحمل النهاية؛ خصوصًا وأن كل شيء طبيعي إلى أن شقت أصوات أهالي القرية صمت المكان، وهم يهتفون: الله أكبر.. الحقوا يا عالم، الغنم بتتسرق، حينها فقط انتفض ابنها مسرعًا يريد اللحاق بهم لإغاثتهم، مؤكدة أنها حاولت أن تثنيه عن الخروج بقولها: ما تنزلش يا عمر، لكنه رد عليها: يا ماما، خليني ألحق الناس بتستغيث، ليخرج من البيت في تلك اللحظة عاد وقد اخترق رصاص الاحتلال الإسرائيلي جسده.
جنازة عمر النعسان.. وتنفيذ وصيته
لم تكن وصية عمر بأن يلف جسده بعلمي مصر وفلسطين وليدة لحظة الرحيل فقط، وإنما سبق أن تحدث عنها مع شقيقته، بعد استشهاد صديقيه أوس وفادي، وكأنه كان يستشعر أن دوره قد اقترب، وهو ما تؤكده والدته قائلة: تقريبًا طلب ده بعد استشهاد صديقه أوس وفادي، وكأن حس أنه التالي.. وطلب كده عشان لو استشهد الجميع يعرف إنه مش بس فلسطيني، لا، كمان مصري، وحبه لمصر كان كبير أوي.
وعن جنازته، تقول والدة عمر إنها حين رأت علم مصر إلى جوار علم فلسطين فوق جثمان نجلها، لم ترَ في المشهد مجرد تنفيذ لوصية عمر، بل رأت ابنها يرفع رأسها ورأس وطنه عاليًا، قائلة: عمر رفع راسي وخلّى كل العالم يشوفنا ويحس بينا، مش بس مصر العالم كله.. وجالي اتصالات تعزينا من الولايات المتحدة الأمريكية، فنزويلا، ماليزيا، كاليفورنيا، تركيا، المغرب، إيطاليا.
«عمر كان بيحب مصر وفلسطين، وكان نفسه يكون وسطكم، بس مفيش نصيب».. بهذه الكلمات تختصر الأم حكاية نجلها الذي رحل قبل أن يحقق حلمه بزيارة مصر، لكنه ترك وصية جعلته حاضرًا فيها بطريقة لم تكن تتخيلها؛ فجثمانه تم لفه بعلمي مصر وفلسطين، كما أراد، موضحة أن وصيته لم تكن مجرد أمنية أخيرة، وإنما كانت إرثه الذي تركه من بعده، ورسالة اختار أن تبقى شاهدة على صدق حبه وانتمائه، فخرجت من قلبه إلى أفئدة الكثيرين بالعالم.












