لحظات خاطفة
تنبهت فجأة إلى خمسة عقود مرت من حياتي، لا أدري كيف مرت وماذا فعلت فيها، فما زلت أبحث عن مستقبل لا يأتي وأحلام مؤجلة، وحرية مقيدة، مع أنني رفعت شعار أن دماغي حرة مستقلة، ولم تكن يوما مستقلة.
عندما أعود إلى الوراء وأتذكر سنواتي الأولى وأحلامي الطفولية، وشجرة التوت التي فضفضت تحتها في صمتي وحيدا، وكراساتي التي حرقتها، لا أعرف الآن من أنا، أنا لست الطفل الذي كتب قاعدته في الحياة إن أردت أن تكون هاما فكن مهتما، لكنني لم اختر طريقي، ولم اختر وظيفتي، ولم اختر في بدايتي ما أقرأ، لكنني كتبت ما أريد، تمردت على نفسي بعد أن أرغمتها على طاعة الظروف والأمر الواقع، أدبتها أن تدخل طواعية إلى حيث المسير، فأنا لست مخيرا، فدخلت كلية لم أحبها، فأدخلتني وظيفة أكرهها، لم تتطبع نفسي لها، حاولت أن أكون هذا الموظف التقليدي، فالجميع بعد أن ينهي المرحلة الجامعية يكون شغله الشاغل متى يتسلم صك تلك الوظيفة، إنه المستقبل الذي يتمناه أي مواطن.
خمسون عاما أراها في لحظات خاطفة، تجري إلى الوراء حيث الماضي بكل انتصاراته وانكساراته، عندما كنت في الابتدائية حلمت أن أصل إلى الإعدادية، ونظرت في مستقبلي وأنا في الثانوية، الآن أنا في الجامعة وقد تخرجت واستلمت وظيفتي وفي الطريق إلى تأسيس بيت والزواج، إنها مجرد أحلام في ذاكرتي لكنها مرت وتحققت، ولا أدري كيف مرت تلك السنوات بكل غضبها وفرحها، سأمكث طويلا في التذكر فالحنين إلى الماضي أصبح ضرورة لصنع انتصار في حياتي، نعم لقد مررت بكل تلك الحقب وانتصرت ولكنني لم أحقق ما كتبته ودونته في كراساتي المحروقة، فهل وئدت فيها الماضي ولكن لماذا أتذكره؟
لأتذكر أنني لم أكن حرا في اختياراتي، كانت حريتي دائما منقوصة مشلولة، تحكمها القوانيين والعادات والتقاليد والأعراف، لا تفعل كذا وافعل كذا واذهب إلى تهنئة فلان، ويجب أن تذهب لتعزية فلان، فهذا دورك وهذا واجب عليك أن تقوم بدور الكبير، تفرض عليك أشياء لا تريدها، وتجبر مقهورا تحت عادة أن لكل منا قدره وهذا قدرك، وأن عليك الآن الاستسلام.
فأنت لم تختر جنسك ولا وطنك ولا دينك وأشياء كثيرة ولدت بها وعادات تأصلت تتوارثها الأجيال لا تستطيع الخروج عنها طواعية.
ما زلت أبحث عن الحرية، حرية نفسي وقراري، حرية في اختيار أن أفعل ما أحب وأن أحب ما أفعل، فما زلت ملتزمًا بمواعيد عملي وطريق عملي ومهمات وظيفتي لا اجتهاد أمام القانون ولا تعدٍ على تلك الثوابت، فقد قال لي المدير: لا يجب أن تفكر وليس عليك أن تجتهد في الابتكار أو الإبداع إنما عليك أن تفعل ما أقوله حتى لو كان خاطئًا، فتحولت حريتي إلى عبودية وطاعة عمياء، إن تمردت فقدت وظيفتي وأصبحت عاطلا.
وفي الجانب الآخر سلطان في بيتي، أمارس كل ألوان الديكتاتورية على الجميع، متسلط قمعي لا يجب أن يتناقش معي أحد أو أن يراجعني أحد في قراري، فتحولت إلى مستبد ظالم يعتدي على حرية الآخرين في أن يتحدثوا، يختاروا، وتدور الدوائر ويأخذ الأبناء من الآباء قسطا من هذا التسلط، فيصبح الكل مستبد، وتموت الحرية في الحقيقة، ونتغنى بها علي الورق.
فلو كنت حرا لاخترت طريقي، وأقمت صرحا من الديمقراطية، وتجمع المبدعين والمفكرين ولصنع مستقبل مشرق، فالجهل استبداد وظلم وجهل، فعيشوا أحرارًا فالحر يعيش كما يريد، والعبد يعيش كما يريد الآخرون.


