"رهائن داخل الفصول.. حين تتحول المصروفات إلى فدية".. والمدرسة التي تذل طالبًا أشد قسوة من الخاطف
عندما تسلم الأسرة ابنها إلى المدرسة، فإنها لا تسلمه حقيبة وكتبا ودفترا فقط إنها تودع "أمانة" مقدسة تودع فلذة كبدها في مكان يفترض أنه شريك في التربية، قبل أن يكون مؤسسة لتحصيل الرسوم.
لكن ما نشهده في بعض المدارس اليوم قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب فتحولت العلاقة التربوية إلى علاقة دائن ومدين، وتحول الطالب من متعلم إلى "وسيلة ضغط" تشهر في وجه والديه.
والصورة واحدة في كل مرة في مع تكرار سيناريو الإذلال حيث طالب تأخر ولي أمره في سداد القسط فيتم اقتياده من مقعده أمام أعين زملائه، لا ليعود إلى بيته، بل ليجبر على "الدوران" في طرقات المدرسة.
والرسالة المقصودة واضحة هي كسر هيبة الطفل، وإحراج الأسرة، وتوجيه إنذار مباشر "ادفعوا الآن".
نحن لا نتحدث عن لائحة تأخير سداد نحن نتحدث عن توظيف طفل كأداة ابتزاز عاطفي ونفسي.. نتحدث عن زرع الخوف والوصم في نفس لم تكتمل ملامحها بعد وعن ترسيخ نموذج في ذهنه يقول له: هكذا ينتزع الحق.. بالضغط والإهانة.
ومن ثم نطرح سؤالًا مشروعًا من أشد إرهابًا الخاطف أم "الخائن للأمانة"؟؟
وقد يبدو التشبيه قاسيًا إلا أن الواقع أقسى، فما تقوم به بعض الإدارات لا يختلف في جوهره عن احتجاز رهينة وطلب فدية.. فالإرهابي يخطف غريبًا بخطة إجرامية ويطلب مالًا لإطلاقه.
أما إدارة المدرسة فتستلم الطالب "أمانة" برضا أهله، ثم تستخدمه كورقة مساومة لتحصيل مستحقات وهنا تكمن الكارثة.. فالإرهابي لم يَعِد أحدًا بالرعاية، أما المدرسة فقد أقسمت على ذلك في ميثاقها.
لذلك يصبح الفعل أشد قسوة لأنه خيانة أمانة قبل أن يكون ابتزازًا ماليًا ولأنه يمارس تحت لافتة "التربية والتعليم" لا تحت لافتة الجريمة.
ما الثمن الذي ندفعه؟
الخسارة لا تقاس بالمبلغ المحصل فنحن نخسر طفلا يتعلم أن قيمته الإنسانية تساوي قدرة أهله على الدفع.. نخسر طالبًا يربط بين "العلم" و"الإذلال".
ونخسر مجتمعًا تغرس فيه قناعة خطيرة هي أن المؤسسة التي يفترض أن تحمي، هي أول من تمارس الترويع.
وقرارات وزارة التربية والتعليم صريحة يحظر ربط سداد المصروفات بحرمان الطالب من الحضور أو دخول الامتحان.
لكن على الأرض تخترع مبررات ملتوية بمقولة: "نحن لا نحرمه، نحن نبقيه خارج الفصل في انتظار ولي الأمر".
والحل في 3 محاور عاجلة هي رقابة رادعة حيث زيارات تفتيش مفاجئة، وتفعيل خط ساخن محمي لتلقي شكاوى أولياء الأمور دون تهديد أو تنكيل بالأبناء.
وفصل الملفات حيث الملف المالي مكانه إدارة الحسابات والملف التربوي مكانه الفصل والخلط بينهما جريمة إدارية وأخلاقية.
وموقف مجتمعي.. فعلى أولياء الأمور رفض هذا الأسلوب والتصدي له والصمت اليوم هو الضوء الأخضر لممارسات أشد غدًا.
ختامًا
التعليم حق أصيل، لا سلعة تحجز عند تأخر الثمن والطفل ليس ضامنًا بنكيًا، ولا رهينة في سوق التحصيل.
من يفرط في أمانة الطالب من أجل قسط، يكون قد خسر كل شيء قبل أن يحصل على أي شيء خسر رسالته، وخسر ثقة المجتمع، وخسر المعنى الأصيل لوجود المدرسة.


