السبت ٠٦ مارس ٢٠٢١

رئيس التحرير
محمود المملوك

ثقافة

يحيى ياسين يكتب: القوى الدولية ما بعد جائحة كورونا.. صراع على السيطرة

يحيى ياسين يكتب: القوى الدولية ما بعد جائحة كورونا.. صراع على السيطرة

يحيى ياسين

باتت جائحة "كورونا" على وشك الانتهاء عقب ظهور عدة لقاحات على الساحة الدولية، مثل: "أسترازينيكا- أكسفورد"، و"فايزر- بيونتيك"، ولقاح "سينوفارم" الصيني، وغيرها من اللقاحات المحلية التي تحقق نسب وقاية متفاوتة، لا سيما مع انطلاق عمليات توزيعها على نحو موسع، هذا بالإضافة إلى تغير موازين القوى الدولية طبقًا لعدة عوامل غيرتها الأزمة سياسيا واقتصاديا، كما تقلبت أوضاع الدول وفقًا لتبعات انتشار الفيروس لديها.
ومنذ انطلاق الأزمة في مدينة "ووهان" الصينية، تأهبت الدول لمواجهة الجائحة التي ما لبثت أن تفاقمت في جميع بقاع الأرض، حيث تحولت بؤرة الانتشار من الصين إلى أوروبا، وتحديدًا إلى "إيطاليا" التي تحملت الصدمة الأولى، ثم إلى جميع الدول الأوروبية التي سارعت في فرض حالات الإغلاق العام، كما ظهر مصطلح "التباعد الاجتماعي – social distancing".
وقد تباينت الحكومات في سبل مواجهة الأزمة، سياسيًّا من حيث فرض الإغلاق العام، ودقة نشر البيانات الخاصة بمعدل الإصابات والوفيات والإجراءات الاحترازية، وتجهيز مراكز للحجر الصحي، واقتصاديًّا فيما يتعلق بالدعم النقدي المقدم للمتضررين نتيجة الأزمة، وكذلك الدعم النقدي المقدَّم لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي والدولي.
 

أولًا: الصين والدول الآسيوية

 

فرضت الحكومة الصينية إغلاقًا شاملًا في بؤر تفشي الفيروس، وسارعت في تطبيق حزم إغلاق صارمة، مع تتبُّع المصابين والمخالطين؛ للسيطرة على انتشار الفيروس، وقد نجحت في السيطرة على ارتفاع معدل الإصابات في بداية الأزمة، وانخفضت الإصابات إلى أدنى مستوى مقارنة بالدول الأوروبية وأمريكا، كما حافظ الاقتصاد الصيني على تماسكه، وتصدرت الصين قائمة الدول المحققة للنمو الاقتصادي خلال 2020، رغم الأزمة التي تسببت في انهيار اقتصادي لمعظم اقتصادات العالم.
وتواجه الصين حتى الآن اتهامات بتصنيعها للفيروس ونشره في العالم لتغيير ملامح المجتمع الدولي اقتصاديا وسياسيا لتأخذ الراية لقيادة الدول وتصبح الفاعل الرئيس؛ الأمر الذي تسبب في عدة تراشقات وتصريحات صحفية بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما رفضته الصين، كما رفضت "بكين" زيارة منظمة الصحة العالمية الأخيرة للتحقيق في منشأ الفيروس؛ مما تسبب في تجدد الاتهامات لها.
وفي سياق متصل، ارتفع معدل الإصابات في الهند، حتى إنها سجلت أعلى معدل إصابات ووفيات في القارة الآسيوية، وتسارع "نيودلهي" في عملية توزيع اللقاحات عقب إقرارها للقاح شركة "أسترازينيكا- أكسفورد".
 

 

ثانيًا: روسيا والدول الأوروبية

 

 

تسلّمت "إيطاليا" الراية من الصين فيما يتعلق ببؤرة انتشار الفيروس خلال شهور قلائل من ظهوره، لتتحول لنقطة تمركز منها تفاقمت الأزمة في معظم أنحاء أوروبا، حيث تصدرت المعدل الأعلى من الإصابات والوفيات لفترة وجيزة، وتلتها ألمانيا وفرنسا اللتان شددتا قواعد الإغلاق، فيما قامت الحكومات الأوروبية بصرف حزم إغاثات اقتصادية للمتضررين من الأزمة، وقد تماسك القطاع الطبي في ألمانيا؛ نظرًا لتجهيزها أكبر قدر من العنايات المركزة؛ تحسبًا لمواجهة الفيروس.
أمّا "موسكو" فلم تختلف عن نظيراتها في أوروبا، حيث شددت قواعد الإغلاق، في ظل اتهامات تلاحقها بعدم دقة البيانات المنشورة حول معدلات الإصابة والوفيات.
 

ثالثًا: الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية

 

تتربع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش أعلى معدل إصابات ووفيات بفيروس "كورونا"، حيث سجلت حوالي 360 ألف حالة وفاة، وأكثر من 21 مليون إصابة، حيث تلاحق إدارة الرئيس المنتهية ولايته "دونالد ترامب" اتهامات بالفشل في احتواء الجائحة.
وقد أقر الكونجرس الأمريكي حزمة إغاثة اقتصادية لتحفيز عجلة الاقتصاد، فيما لا يزال معدل الحصول على إعانات البطالة مرتفعًا رغم الجهود التي تبذلها الحكومة لاحتواء الأزمة.
 

رابعًا: الشرق الأوسط والدول النامية

 

تعتبر دول الاقتصادات المتوسطة والفقيرة هي الأكثر تضررًا جرّاء انتشار الجائحة؛ نظرًا لانخفاض احتياطات النقد الأجنبي، واعتمادها -فيما عدا بعض الدول الغنية في المنطقة- بشكل كلي على الاستيراد.
وتواجه تلك الدول اتهامات بعدم الإفصاح عن حجم الخسائر البشرية من الوفيات ومعدلات الإصابة بالفيروس، وقد لجأ العديد منها إلى تطبيق الإغلاق النصفي للبلاد مع فرض تدابير احترازية من شأنها تقليل انتشار الفيروس، ولكنها لم تفرض إغلاقًا كاملًا؛ نظرًا لعدم قدرة اقتصادها على تحمل تبعات ذلك.
وقد انهارت الأنظمة الصحية، حيث لجأت الشعوب للحجر المنزلي، فيما تفشى الوباء وبات العامل الرئيس في مواجهته يتمثل في اتباع سياسة "مناعة القطيع".
 
اتصالًا بالمذكور أعلاه، وعقب سيطرة الصين على الجائحة مبكرًا وعدم تضرر اقتصادها، بل إنه على النقيض حقق نموًا خلال العام المنصرم، فيما لا تزال الدول الأوروبية تنزف اقتصاديا، كما تتخبط الأوضاع السياسية داخل الولايات المتحدة عقب اندلاع احتجاجات أمام مبنى "الكابيتول" للاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي رفض "ترامب" الاعتراف بها مع زعمه بتزويرها.
أصبحت الساحة الدولية في مرحلة تعيد فيها تشكيل القوى العظمى، حيث تتصدر الصين العالم اقتصاديا مع عدم وضوح الرؤية حول كيفية تعامل الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة "بايدن" مع الحروب التجارية التي خاضها سلفه مع "بكين".
وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، فإنه عقب خروج بريطانيا من الاتحاد لا تزال طبيعة العلاقات غير واضحة بشكل كاف للتحليل، في ظل التوصل لاتفاق ما بعد الخروج الذي بدأ سريانه بدءًا من العام الجاري، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعانيها "تركيا" تزامنًا مع احتمالية فرض عقوبات عليها من قبل الاتحاد الأوربي، فضلًا عن العقوبات الأمريكية المفروضة عليها بشأن منظومة الدفاع الروسية "s-400".
كما أن هناك عدة تساؤلات حول: هل تعود الولايات المتحدة للاتفاق النووي الإيراني الذي انسحبت منه إدارة "ترامب"، في ظل توقعات بعودة إيران لتصدر المشهد باعتبارها فاعلا إقليميا قويا في الشرق الأوسط؟
وهل تتغير ملامح الشرق الأوسط عقب التطبيع العربي الإسرائيلي الأخير في ظل تكهنات بتطبيع المزيد من الدول العربية مع إسرائيل، ليتحول العدو الأول في المنطقة ويكون متمثلا في التهديد الإيراني؟
لقد نجحت إدارة "ترامب" في تمكين إسرائيل سياسيا وجعلها فاعلًا قويا في المنطقة، بدءً من الاعتراف بـ "القدس" عاصمة لها، مرورًا بسيادتها على الجولان وخور الأردن، وانتهاءً بتطبيع علاقاتها مع الرباعي العربي (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب).
وختامًا، فإن أزمة جائحة "كورونا" قد غيرت ملامح الصراعات وموازين القوى السياسية والاقتصادية العالمية في مختلف الأقاليم، ويبقى السؤال الأهم: هل تتزعم الصين خلال السنوات المقبلة قيادة العالم باعتبارها القوة الاقتصادية الكبرى في العالم؟
 
 

وسوم القوى الدولية جائحة كورونا لقاح كورونا مقالات القاهرة 24 يحيى ياسين

مواضيع متعلقة

عاجل "الصحة": تسجيل 579 حالة إيجابية جديدة بفيروس كورونا.. و45 وفاة