الأربعاء ٠٣ مارس ٢٠٢١

رئيس التحرير
محمود المملوك

مقالات

وحيد حامد نصير الغلابة والمهمشين    

وحيد حامد

وحيد حامد

محمود زيدان

الكتابة عن عمالقة الكتابة من أصعب الأشياء التي يمكن أن يفعلها كاتب شاب مثلي؛ لكن جرت العادة أن تدفعني قوة خفية إلى الكتابة والتعبير عما يجول بخاطري بشأن قضية أو شخص ما، وهنا أتحدث عن قيمة فتية كبيرة وقامة فكرية قلما يجود بها الزمن.

كنت سعيد الحظ بلقاء الكاتب والسيناريست الكبير وحيد حامد قبل رحيله بالجلوس معه لأكثر من ساعة قبل لقاء تلفزيوني امتد لساعة تحدث خلالها عن حياته من البدايات حتى سطوع نجمه في سماء القاهرة في عالم السينما والتليفزيون، وكانت كلماته تخرج في صورة نصائح لكل من حوله كانت أبرزها أن حب العمل هو السبيل الوحيد لتحقيق النجاح وأنه تعلم ممن قابلهم جميعًا لا سيما البسطاء من الناس.

وكنت متلهفًا أن أسأله عن أعماله التي ما زالت محفورة في الأذهان وتحدث الرجل بكل صراحة بأنه كان يعيش بين الناس جميعًا؛ لذلك كتب عن تجربة وليس فقط من وحي الخيال وقال: "مهما بلغ خيال الكاتب فإنه قاصر"، وتحدث أيضًا عن العلاقة بينه وبين أبنائه وأنه كان يعاملهم مثلما يعامل الطيور التي تطرد أطفالها من العش حينما ينضج الريش وتقوى على الطيران.

لمست فيه إنسانية كبيرة وحبًا شديدًا لدعم الشباب، حيث كان أبًا وأخًا للجميع ولا عجب في أن يكتب أغلب الناس عن علاقتهم الشخصية به فكان يستقبل الجميع ويطبب نفوسهم ويبدد شواغلهم ويخرج الجميع من صومعته قرير العين هادئ البال.

كان الرجل حكيمًا في كلماته التي جسدت خبرة كاتب كبير عاش سنوات يراقب ويتابع بل يشارك في كتابة وصياغة تاريخ البلاد معبرًا عن البسطاء راصدًا معاناتهم الإنسانية من خلال أعمال مثل "طائر الليل الحزين" و"المنسي" و"أرزاق يا دنيا" و"الإنسان يعيش مرة واحدة"، وشرح وحيد حامد أمراضًا مجتمعية ووصف لها العلاج في "ملف في الآداب" و"آخر الرجال المحترمين" و"الهلفوت" و"مسجل خطر" و"احكي يا شهرزاد" و"محامي خلع" و"النوم في العسل".

وحيد حامد أبكانا جميعًا في أعماله وأضحكنا وكان يعرف شخصية المصريين وطباعهم، فنسج لنا "غريب في بيتي" و"التخشيبة" و"اضحك الصورة تطلع حلوة"، وكان يجسد حالنا في الحب والكره والغضب والضحك والحزن، وكان يجسد حكاياتنا بالصوت والصورة بعد أن يأخذ بناصيتنا إلى الأوراق ويكتبنا.

وحيد حامد كان يقاتل دائمًا في صفوف البسطاء والمهمشين ضد الحكومات ولم يكن كاتبًا للسلطة مثلما يردد مرضى تنظيم الإخوان الإرهابي وأتباعهم من المتطرفين الذين ناصبوه العداء بعد أن كشف سمومهم للناس في أعمال مثل أفلام "طيور الظلام" و"دم الغزال" ومسلسل الجماعة؛ ولذلك كانت شماتتهم الدنيئة في رحيله دليلًا جديدًا على صدق نظرة الرجل فيهم وطهارة أفكاره التنويرية لمواجهة ظلامهم وجهلهم؛ بل إنه أثار غضب السلطة حينما كتب "البريء" و"الراقصة والسياسي" و"معالي الوزير" و"اللعب مع الكبار" و"كشف المستور".

لم يكن وحيد حامد يغازل السلطة حينما كان يكتب عن الإخوان ولم يحصل على مكاسب من الإخوان حينما كتب ضد السلطة إنما كان يكتب من أجل الوطن والمواطنين؛ لأنه كان يعلم تمامًا أن كل ما يكتب لمصلحة فهو زائل ولذلك كان وحيد حامد حاضرًا في كل القضايا الوطنية؛ لأنه كان مهمومًا بالوطن فكان في مقدمة المدافعين عنه ضد تنظيم الإخوان حتى إسقاطهم في ٣٠ يونيو وكان يرى دائمًا أن المتطرفين والفاسدين أشد خطرًا على الوطن من الاحتلال .

رحل وحيد حامد، ولكن بقيت أعماله خالده في ذاكرة الوطن ولا عجب في كل هذا الحب وكل هذه المشاعر تجاه الرجل الذي أعطى للفن السابع أكثر من نصف قرن من عمره رصد خلالها هموم الناس وشواغلهم، واستحق عن جدارة لقب الفلاح الفصيح الذي أطلقه عليه الصديق والناقد الفني طارق الشناوي خلال تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي قبل وفاته بأيام، ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه للرجل هو دعوة صادقة من القلب بأن يجعله الله ممن شملهم برحمته الواسعة بقدر ما أسعدنا وأزاح عنا الهموم والآلام.

وسوم وحيد حامد نصير الغلابة والمهمشين الدراما السينما وحيد حامد

عاجل طقس الأربعاء مائل للبرودة نهارا على القاهرة والوجه البحري