< حرائق التكفيريين
القاهرة 24
رئيس التحرير
محمود المملوك

حرائق التكفيريين

 

بعض المتشددين دينيًا أباح القتل على الجنسية مثل "القاعدة" التي أباحت قتل الأميركيين واليهود.. وبعضهم أباح القتل على المذهب مثل "داعش" ومن سار على دربها.. وبعضهم أباح القتل على الاسم مثل الميليشيات الشيعية.. أو القتل على الوظيفة مثل المجموعات التكفيرية التي تنتشر في مصر، وفي مقدمتها "أنصار بيت المقدس" التي أخذت تقتل ضباط وجنود الشرطة والجيش المصري حتى دون أن تعرفهم، فيكفي وظيفتهم لتكون مبررًا لقتلهم.

تعتنق مثل هذه الجماعات فكرًا متطرفـًا يبرر العنف والقتل باسم الدين، حتى أن دار الإفتاء المصرية، تناولت الأمر قائلة إن "المرجعية الفكرية التي يستند إليها تنظيم منشقي القاعدة، المعروف باسم (داعش)، في الذبح ترجع إلى فكر الخوارج، الذين كانوا أول من فعل هذه الفعلة الشنيعة في الإسلام".

وقالت: "الخوارج أوقفوا الصحابي عبدالله بن خباب بن الأرت، وسألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين، فأثنى عليهم خيرًا، فذبحوه فسال دمه في الماء، وبقروا بطن امرأته وهي حامل".

وتناولت دار الإفتاء، في تقريرها الذي أصدره "مرصد الفتاوى التكفيرية"، حول عقيدة الذبح عند التنظيم المعروف بـ"داعش"، تاريخ قطع الرؤوس عند العرب والأمم الأخرى.

وقال التقرير، الذي حمل عنوان "الذبح.. الفريضة الغائبة عند التنظيمات الإرهابية"، إن "قطع الرؤوس ممارسة قديمة عرفتها البشرية بمختلف أجناسها وثقافاتها، وهذه العملية اللا إنسانية كانت معروفة لدى بعض العرب في الجاهلية، وبعد أن جاء الإسلام لم يثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه حُمل إليه رأس كافر بعد قطعه، ولا أنه أمر بحزِّ الرؤوس، بل إن النصوص الشرعية لم تؤسس لمثل تلك العقيدة التي ينتهجها تنظيم منشقي القاعدة في القتل والذبح والتمثيل".

ليس أدل على ذلك من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمير الجيش "اغْزُوا وَلا تَغْدُرُوا وَلا تَغْلُوا وَلا تُمَثِّلُوا وَلا تَقْتُلُوا".

ويتعيّن أن نذكر ما نُسِبَ للرسول الكريم في القتل حرقـًا، فقد روى أبو هريرة، أنه قال: (‏بعثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في بعث فقال‏:‏ إن وجدتم فلانـًا وفلانـًا لرجلين فأحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانـًا وفلانـًا وإن النار لا يعذب بها إلا اللّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)، رواه البخاري وأبو داود وأحمد والترمذي.

وروى ابن مسعود، قال: "كنا مع النبي.. فمررنا بقرية نمل قد أحرقت.. فغضب النبي، وقال: إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله".

ولعل أول من أُحرِقَ في تاريخ الإسلام هو الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، في زمن الخليفة عُمر بن الخطاب "ولد بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد بثلاث عشرة سنة"، وهذا أمر تذكرُه مصادر كثيرة، وصار من الحوادث المعلومة في تاريخ الحرق والشِّعْر معـًا، مع أن إقامة الحُدود ليس من بينها الحرق.

والتاريخ الإسلامي يقول لنا إن جارية بن قدامة السعدي، وهو من كبار قادة علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب الهاشمي القُرشي (١٣ من رجب ٢٣ ق هـ/١٧ من مارس ٥٩٩م - ٢١ من رمضان ٤٠ هـ/ ٢٧ من يناير ٦٦١ م) قد أحرق سبعين رجلًا كانوا قد تحصَّنُوا في دارٍ مع قائدهم عبدالله بن الحضرمي، الذي أرسله معاوية بن أبى سفيان "ولد بمكة قبل الهجرة بخمس عشرة سنة وكانت سنه يوم الفتح ٢٣ سنة" إلى البصرة للانتفاض على عليّ بن أبي طالب.

والحرق في تاريخ الإسلام كان يجري والمرء حي لم تخرج روحُه، حيث كان يصب النفط "الجاز"، ومن هؤلاء الذين أحرقوا سنة ١١٩ هجرية وزير السختياني، والذي ظل يتلو القرآن وهو يحترق، حتى مات بفعل النار، التي نُصِبت له في ساحةٍ واسعةٍ، وكان ذلك بأمرٍ من خالد القسري، أمير العراق، الذي كان يستهويه الموت حرقـًا لخُصُومه، ومن يخرج عليه، حيث يأمر بجمع أطنان من الأخشاب والنفط، حيث يُصبُّ النفط على الخشب ثم تلهب النار من يُوضعُ فيها.

ومن ضمن العقُوبات التي فرضها وقرَّرها زيد بن موسى بن جعفر العلوي سنة ٢٠٠ من الهجرة النبوية على أتباع العبَّاسيين الحرق بالنار، حتَّى سُمي "زيد النار"، وكان قد خرج على الخليفة المأمون "ولد عام ١٧٠ هـ ٧٨٦ ميلادية وتوفي في ١٩ من رجب عام ٢١٨ هـ ١٠ من أغسطس سنة ٨٣٣ ميلادية".

أما الخليفة المعتضد بالله، أي سنة ٢٨٠ هجرية، فقد أحرق محمد بن الحسن بن سهل، بأن أمر بشدِّهِ على أعمدة الخيام، وتم تأجيج نارٍ، وطلب من عُمَّاله أن يُقلِّبُوه على النار كأنه طيرٌ يُشوى".. حتى انشوى ومات، وكان كل ذنبه أنه سعى إلى بيعةِ خليفةٍ من أولاد الواثق.