رئيس التحرير
محمود المملوك

فرج فودة.. وحروب الجهل

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت

 

 

 

قبل الكاتب والباحث الأكاديمي د.نصر حامد أبو زيد، خاض المفكر د.فرج فودة معركة طويلة مع التفكير والتنوير والبحث في مجال العلوم الإسلامية.

الشاهد أن فودة أنتج كتابات عديدة قيّمة في هذا السياق، نُشِرت على صفحات مجلة "أكتوبر" وصحيفة "الأحرار" في مصر، وأصدر عددًا من الكتب التي احتوت على آرائه التنويرية العميقة في مجال البحوث والدراسات الإسلامية، كما أسس وأدار الجمعية المصرية للتنوير، التي كان مقرها في مصر الجديدة، وشهدت حادثة اغتياله في أثناء خروجه من مقرها في الثامن من يونيو عام 1992.

خلال رحلته الفكرية والتنويرية، عمل فرج فودة على تأسيس حزب سياسي تحت اسم "حزب المستقبل"، والذي جاءت مبادئه وأفكاره على أرضية تنويرية عقلانية، وفي الوقت الذي تقدّم فيه بأوراق تأسيس الحزب وكان في انتظار قرار لجنة شؤون الأحزاب، كان يواجه حملة شرسة من جبهة علماء الأزهر، التي كانت تحارب فودة بعنف، وتدعو لجنة شؤون الأحزاب بشكل متواصل إلى عدم الترخيص لحزبه الجديد، ووصل الأمر إلى إصدارها بيانـًا، نشرته مجلة "النور" في العام 1992 -وقبل اغتيال فرج فودة بأسابيع- كفّرت فيه فودة وأعلنت وجوب قتله، وحرّضت على عملية القتل.

ظل فودة يدافع في مقالاته عن فكرة الدولة المدنية ما أدخله في سجالات فكرية مع كتاب إسلاميين كانوا حاضرين بقوة في الساحة السياسية المصرية حينذاك. وكان السجال بين فودة وخصومه يتناول قضايا متنوعة فهناك نقاش حول العلمانية وجدل حول كتاب "ألف ليلة وليلة" وخلاف حول حجية الحجاب.

ولعل أكثر ما يميز فودة هو خطابه السهل غير المعقد الذي نجح في جذب الكثيرين حوله، وكثيرا ما انتقد الإسلاميون فودة بزعم أنه "غير متخصص في الإسلام يسعى للطعن في العقيدة مستخدمًا روايات ضعيفة للحظات استثنائية لا تعكس عظمة التاريخ الإسلامي".

إلا أن فودة كان يقول إن عدم تخصصه في دراسة الإسلام لا يحرمه حق التساؤل. وفي تقديرنا أن التساؤل فريضة على كل عاقل ينشد الحق والحقيقة.

خاض فرج فودة مناظرة ضمن فعاليات معرض الكتاب في عام 1992، جاءت تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، ومثَّل فيها الدولة المدنية: فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله، ومثَّل الدولة الدينية كل من: الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان وقتها، والدكتور محمد عمارة. وخلال المناظرة تم التحريض على فرج فودة بدرجة كبيرة، واتهامه في دينه وأفكاره وعقيدته، وهو ما مثّل خطوة كبيرة أخرى على طريق الشحن العام ضدّ فرج فودة وأفكاره، وضدّ حياته أيضـًا، إلى أن وقعت جريمة الاغتيال بعد ستة شهور تقريبـًا.

المفارقة أن الذي اغتال فرج فودة (الزرقا، ٢٠ من أغسطس، ١٩٤٥- القاهرة، ٨ من يونيو، 1992) كان بائع سمك لم يقرأ له كتابـًا؛ لأنه في حقيقة الأمر لا يقرأ ولا يكتب، بحسب اعترافه خلال محاكمته، كما أن الذي حاول اغتيال نجيب محفوظ (١١ من ديسمبر ١٩١١- ٣٠ من أغسطس ٢٠٠٦) سنة ١٩٩٤ لم يقرأ له كتابـًا، وهو فني إصلاح أجهزة إلكترونية حصل على شهادة متوسطة في التعليم، وقد اعترف بأنه لا يحتاج قراءة نجيب محفوظ؛ ليحاول اغتياله.

الجهل قاتل، مثلما التطرف مهلك.