رئيس التحرير
محمود المملوك

بعد مقتل مغربيين في مالي.. كيف يسهم التوتر بين المغرب والجزائر وصعود طالبان في عودة الإرهاب؟

قوات أممية في مالي
قوات أممية في مالي

بعد مقتل مغربيين في مالي.. كيف يسهم التوتر بين المغرب والجزائر وصعود طالبان في صعود الإرهاب؟

قال الدكتور أيمن السيسي، الباحث المتخصص في الشأن الإفريقي والجماعات الإرهابية، إن الخلافات بين الجزائر والمغرب ستنتقل مؤقتا إلى جنوب الصحراء ضمن إطار المواجهات الخفيفة الخفية، استغلالًا لحالة السيولة التكفيرية في منطقة الساحل والصحراء، واستنادًا إلى حالة الانتشاء والأمل اللتين خلفتهما انتصارات حركة طالبان الإعلامية في أفغانستان، ودخولها العاصمة كابول.  

أضاف الدكتور أيمن السيسي، في تصريحات خاصة لـ«القاهرة 24»، تعليقًا على حادث مقتل سائقين مغربيين وإصابة ثالث قرب العاصمة المالية بامكو، أن أفغانستان لها رمزية كبرى فيما يسمى الجهاد الإسلامي لا سيما أن القادة التاريخيين للجماعات الإرهابية  في الساحل والصحراء من منتسبي تنظيم القاعدة وأهمهم الجزائريون خريجو تورا بورا، وهي التسمية التي أطلقها الجزائري خالد أبو العباس "بلعور" على منطقة سيطرته جنوب الصحراء وامتداداتها حتى ما بعد جاو التي شهدت وجوده القوي وتعاونه مع عمر ولد حماه ضمن جماعة "التوحيد والجهاد" التي أعلنت جاو إمارة إسلامية عقب انفصال شمال مالي عام 2012 التي لا تبعد حدودها عن بلدة ديديني التي قتل فيها أمس سائقون مغربيون وجرح ثالث، أكثر من 120 كم.

ذكر أنه ما يضع علامات الشك أن الحادثة ضمن الحرب الخفية بين الجزائر والمغرب، كما أن القتلة يستخدمون أجهزة لاسلكي يرتدون صدريات واقية من الرصاص وأنهم بيض البشرة بما يعني أنهم من العرب أو الطوارق وتتشابه هذه التفاصيل مع طريقة "بلعور"، كما عاينته منه ومنهم عند لقاءاتي بهم في شمال مالي وتأكدي من عمالته المزدوجة  للفرنسيين والأمن الجزائري.

أشار الدكتور أيمن السيسي إلى أن “إياد أج غالي” أمير جماعة أنصار الدين - وقتها - التي تحولت بعد اندماج عدد من التنظيمات الأخرى إلى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين حاليًا ويمتد نفوذها من الشرق الموريتاني حتى دارفور، قد أسهم في وأد قضية الطوارق لمحاولة تصفيتها وهي رغبة مؤكدة لدى الجزائر ووفرا المبرر الدعائي والأخلاقي للفرنسيين للهجوم على شمال مالي لتصفية الطوارق وإنهاء التمرد وطرد الإرهابيين.

خالد أبو العباس أو "بلعور" كما يعرف لفقد عينيه اليسرى في إحدى عمليات الإرهاب في أفغانستان التي التحق بالقاعدة فيها شاب فى عمر الثمانية عشرة عام 1989 مع عبد الله أنس الجزائري الذي تزوج ابنه عبد الله عزام – الإخواني الفلسطيني- ومفتى ومعلم بن لادن، وعاد بعد سنوات ضمن ما عُرف بـ"الأفغان الجزائريين" الذين وصفوا بأنهم العناصر الأكثر عنفا، وخيانة في التنظيم.

أكد المتخصص في الشأن الإفريقي والجماعات الإرهابية أن  ضربات الجيش الجزائري القوية لجماعتي الجياو السلفية للدعوة والقتال بداية العقد الأخير من القرن العشرين نزحتا جنوبا إلى منطقة "أزواد" شمال مالي، حيث تمرح فيها عصابات تهريب الأسلحة والمساعدات الغذائية والدخان من مخيمات البوليساريو في تندوف، وكان بلمختار "الأعور" من أشهر عناصرها، وعمل مع رفاقه فيها على خلق قاعدة خلفية لمسلحي الجماعة السلفية والجيا لتوفير الدعم اللوجيستي وتزويدهما بالسلاح والمتفجرات، إضافة إلى تدريب المقاتلين قبل إعادتهم إلى الجزائر لمباشرة "الجهاد"، وشرع في استقطاب عشرات المقاتلين من مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتونس وليبيا والبوليساريو.

أكد أن بلمختار صاحب تسمية مثلث الصحراء بين موريتانيا والجزائر ومالي بـ"تورا بورا الصحراء" أو إمارة الصحراء، وهناك في هذه "الإمارة" الوهمية سنحت الفرصة لـ"بلعور" أن ينخرط في التهريب كصفقة غنية ومفيدة له لضمان جباية مالية وعينية تساعد مقاتليه، وفي الوقت نفسه تستغل سيارات التهريب وطرقه وخطوطه في نقل المقاتلين والسلاح والتموين، وللمهربين التخلص من السيطرة الجامحة لبعض زعماء القبائل العربية من قبيلتي الأمهار والبرابيش المنخرطين في التهريب والإشراف على دروبه وطرقه وحمايتها بنفوذ قبائلهم الروحي والمادي مقابل جباية 10% أو المقاسمة في الصفقات حتى انتهى بالمزاحمة في الاتجار والتهريب بداية من السجائر ليشتهر في الصحراء باسم "مستر ماربلورو"، وينتهي بتجارة الحشيش مستغلا  هو وجماعته قبول الحاضنة الشعبية من سكان الصحراء لهم باعترافهم من العارفين بالدين والمتفقهين فيه والمجاهدين خصوصا للمنطقة تراثا في دعم مجاهدي جيش التحرير الجزائري – ضد الاحتلال الفرنسي – بالمال والغذاء والوقود وقطع السلاح والذخيرة من خلال عبد العزيز بوتفليقة، وعرف وقتها بعبد العزيز الصحراوي.

ولا يزال المسنون والعجائز من ساكني الصحراء يفتخرون بدورهم هذا – كما قال لي أج حميدان سالم في أروان – فوفرت هذه الخلفية التاريخية فرصة مهمة له عندما تحرك مع "البارا" عمار صايفى بعشرة مقاتلين قاعديين من الجزائر بحرية شديدة والتنقل فى الصحراء بحثا عن عناصر جديدة للانضمام معهما على طول خط الصحراء الكبرى العرضى من شرق موريتانيا إلى دارفور مرورا بشمال مالي والنيجر وتشاد وجنوب ليبيا، في مسار خطوط تهريب المقاتلين والسلاح والمخدرات الذى كان وقتها يبدأ من القرن الإفريقي عند الصومال وينتهى فى مثلث "تورا بورا الصحراء" ما بين حدود مالي والجزائر وموريتانيا مع ربط علاقات جيدة مع سكان البوادى ومساعدتهم بالوقود والأغذية وقطع غيار السيارات والشاى والسكر مما أسهم فى اشتهاره كرجل طيب يقدم المساعدات، فتزوج من عائشة، إحدى بنات البرابيش، وزوج بعض رجاله من بنات الأمهار، وظل يمرح فى الصحراء مُهربًا ومختطفًا للرهائن الغربيين وقاتل باسم الدين لسنوات حتى سنحت له الفرصة الأكبر فى قيام الطوارق والعرب بإعلان انفصال إقليمهم "أزواد" شمال مالي فى أبريل 2011 وقفزه بالتعان مع إياد أج غالى ابن قبيلة إيفوقاص فى كيدال شمال مالى فوق عربة الحلم الأزوادى بالاستقلال وتكوين إمارتين إسلاميتين فى "جاو" و"تمبكتو" من عناصر تكفيرية تضم خليطا من تكفيرى الدول العربية شمال إفريقيا والسعودية والسودان وبلدان من ليبيا وعناصر جماعتى شهداء بوسليم الليبية المقاتلة، وشهداء بوسليم الأخيرة تكونت بعد أحداث 17 فبراير فى ليبيا، ومن "كونو وزاريا" فى نيجيريا، من جماعة بوكوحرام مثل أمادوكوفا وماسينا وأنصار الدين من مالى، ومن موريتانيا إحماده ولد محمد الخيرى ويوسف الشنقيطى وساندا ولد بوعمامة وغيرهم، والطوارق حلى تكنا وعمر ولد حماه.

وقتئذ سنحت له الفرصة للتخلص من ربقة إمارة الصحراء التي رفض أميرها مصعب عبد الودود – دوردكال – وعبد الحميد أبو زيد- أمير كتيبة طارق بن زياد تقديم بلعور للإمامة وإمارة الصحراء استجابة لترسيخ القاعدة الأم فى أفغانستان، فانسلخ منهم مكونا كتيبة الملثمين ولواء الفرقان فى أزواد متعاونا مع جماعتي "أنصار الدين" فى "تمبكتو" بقيادة إياد اج غالي ومع  عمر ولد حماه فى التوحيد والجهاد. 

وقد سمعت كثيرا في الصحراء عن عمالته وإنه يستخدم من قبل الامن الجزائري لتصفية اعدائهم الحقيقيين  مثل  "نبيل مخلوفي" أحد أمراء قاعدة بلاد المغرب الإسلامى بمساعدة "سلطان ولد بادى" الصحراوى، أحد أبرز قادة التهريب التاريخيين فى الصحراء، والذى يتمتع بعلاقات جيدة جدًا على طول خطوط التهريب من الصحراء الغربية من جنوب المغرب حتى دارفور وشرق العوينات مع الطوارق والتبو وعرب المحاميد والفور والزوى وهو من ابرز  زعماء عصابات التهريب وسائقيها وقطاع الطرق.

ما سهل للأعور الجزائرى فرص التحرك الآمن فى الصحراء، وتوثيق علاقته المتميزة جدا مع الليبيين -ضمن المناوشات والاستخدام العكسي للعملاء بين الجزائر والقذافي -فساعدهمبلعور  وأواهم معه فى الصحراء أثناء مطاردة القذافي لهم، منهم  عبد الحكيم بلحاج، وعطية عبد الرحمن، أو أبو يحيى الليبى، وخالد الشريف الذى عرف فى الصحراء باسم عاصم خصوصا عندما أوفدوا قبل أسامة بن لادن فى نهاية التسعينات لحل خلاف بين عنتر زوابرى وحسان حطاب من أمراء جماعة "الجيا" التكفيرية الجزائرية، وساعدهم بلمختار فى الفرار عندما هَمَ حسان خطاب بتصفيتهم لرفضهم مشروع الجيا أو إعلان البيعة لأميرها، وساعده امبارك ولد الحسن أحد رجاله الموريتانيين، الذي تزوج بعدها عطية  الليبي من إحدى قريباته، وأنجب منها ثلاث أبناء أكبرهم يحيى الذى صار يلقب به (أبو يحيى الليبي)، وهو شقيق عبد الوهاب قايد، أحد قادة  الجماعة الليبيةالمقاتلة، وعضو المؤتمر الوطني العام-برلمان ليبيا بعد احداث 17فبراير-، 
وبعد ضربات الطائرات الفرنسية على التكفيريين فى شمال مالي هرب بلعور  إليهم فى ليبيا.

وبدأت علاقة بلعور بالجماعة الليبية المقاتلة، من أفغانستان خصوصا مع عبد الحكيم الحصادي، ابن درنة وعبد الحكيم بلحاج وعطية عبد الرحمن، وكانوا جميعا قد تلقوا تدريبات بإشراف أسامة بن لادن، وعبد الله عزام على يد مقاتلين أمريكان فى أفغانستان، وهو ما ساعده على الهرب من موقع الأحداث في شمال مالي بعد تنفيذ عملية مجمع غاز عميناس وإفلاته من قبضة الأمن الموريتاني الذي خطط لاعتقاله مع عمر الصحراوي تنفيذا لحكم محكمة غرب نواكشوط، وهرب إلى ليبيا ملتحقا بيوسف الشنقيطى مسئول إعلام "أنصار الدين" وهشام بلال قيادي في التوحيد والجهاد، وطلحة الليبي، ونجا من الموت فى قصف للطيران الفرنسي على القافلة التي حملته مع عبده عزوز، ابن شقيق عبد الباسط عزوز، منفذ عملية تهريب إرهابيين من سجن "بوكا" فى العراق، الذى قتل فى القصف ليمضى بلعور إلى "أوبارى" ومنها إلى أجدابيا، ثم درنة ليستقر مع سابقيه من عناصر تنظيم القاعدة فيها ويتنقل بحرية وبدهاء خفية فى بعض مواقع الإرهاب فى ليبيا، ويتعاون لفترة طويلة مع هشام عشماوي ضابط الصاعقة المصري المفصول -قبض عليه وحوكم في مصر واعدم- ومن هذا التعاون  عملية الواحات في مصر.

ويعلن الأمريكان بين آونة وأخرى عن مقتله فى غارة جوية ثم يتضح كذب الخبر ويظل مختار بلمختار شبحًا فى ليبيا والصحراء الكبرى، وقد التقيته في  فى درنة بصحبة  هشام وسفيان القومة، أحد رفاقه القدامى فى أفغانستان،  الذي عمل سائقًا لبن لادن فيها لفترة، ويؤمن فيها  مقرًا لرفيقه فى أزواد "أياد أج غالى"،  وأمادوكوفا "خريج" بوكو حرام ورفيقه فى التوحيد والجهاد، ليعلن أياد تشكيل جبهة "نصرة الإسلام والمسلمين"، من هذه جماعات وكتائب القاعدة فى الصحراء، ويحافظ بلعور على استقلالية كتيبته "المرابطون" مبتعدا عن لفظ المغرب الإسلامي لأنه لا يرضي الجزائريين بحكم الاستقطاب على التنوع العرقي في المنطقة.