رئيس التحرير
محمود المملوك

فوضى الفتاوى

قديما قالوا اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وهذه قيمة جليلة تعلي من شأن التواصل والتواد بين البشر رغم اختلافاتهم، لكن بالتأكيد كانوا يقصدون الاختلاف في الرأي ضمن بيئة نقاش صحية وسليمة، بعيدة كل البعد عما نراه هذه الأيام على صفحات التواصل الاجتماعي والفضائيات، لأن تلك البيئة التي تظهر فيها الاختلافات للعامة، مع عشوائية في الطرح وفوضى في التواصل والتعبير عن حيثيات الآراء، لا تساعد أبدًا على تفهم الاختلافات وبقاء الود وزيادة الوعي.

إن انتشار الفتاوى المتضاربة، وتنقيب البعض عن شواذ الآراء من الكتب والشروحات الفقهية، وتصدير ذلك للعامة دون منهجية رصينة للخلاف وتحرير القضايا من شأنه أن يفسد الود بين أفراد المجتمع ويؤدي إلى التشاحن بينهم، ثم إلى زيادة في الجهل والتعصب، فاختلافات العلماء لا بد أن تبقى في إطار منهجي وقيمي بعيدا عن الاستقطابات والتحزبات والشعبوية.
هناك مؤسسات رصينة ومنهجية تقوم على أمر الفتوى في بلادنا، كلجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وهي تجمع خيرة علماء الأمة، ولا أعلم لما يتم تجاهل تلك المؤسسات لصالح عرض الفتاوى للأخذ والرد من قبل العامة على صفحات التواصل الاجتماعي، أو في المنتديات العامة، ماذا ستستفيد بلادنا من هذا كله سوى ضياع الحق بين مفرط ومتعصب؟!.

لقد كان الفقه الإسلامي دوما مجالا رحبا يتفاعل فيه المجتمع ويجد فيه تبايناته ضمن القاعدة الإسلامية العظيمة القائلة: اختلافهم رحمة، فلما نغلق تلك الصفحة المضيئة في تاريخنا وننقلب عليها ونجعل من الفقه والفتاوي مجال تخندق وشتات وخصام ومجادلة لن يفيد في شيء سوى في ضياع الحق منا وتشتيت الأذهان عنه.

خطورة الجرأة في الفتوى


كان مائة وعشرون من خيرة أصحاب محمد ﷺ ومن كبارهم، وممن طالت أعمارهم فحصلوا علمًا كثيرًا غزيرًا، ومع ذلك يتدافعون الفتيا وكل واحد يتمنى أن أخاه يكفيه الفتيا، ونحن نجلس في بعض المجالس فتطرح موضوعات في الطب فلا تجد إلا الأطباء يتكلمون وإذا تحدثوا في الأدب فلا تجد إلا الأدباء هم الذين يتحدثون، وأما إذا طرحت مسألة دينية إذا بك تفاجأ بأنك تجالس بين هيئة كبار العلماء فإذا سألت عن مسألة فقهية وجدت كل واحد منهم يذكر رأيه والآخر وجهة نظره، وإذا سألت عن صحة حديث وجدت نفسك تجالس مع أئمة الحديث، كالإمام أحمد، والحافظ بن حجر، فهذا يصحح الحديث، والآخر يضعف الحديث.

 

معرفة أسباب تغير الفتوى


من أبرز ما ينبغي أن يهتم به المفتي، هو مراعاة موجبات تغير الفتوى، والتي قد نصَّ عليها المحققون من علماء الأمة، والتي بسببها تتغير الفتوى، إلى ما يناسب الزّمان والمكان والعرف والحال، والذي لا يخالف الشّريعة الإسلامية.

والفتوى قد تختلف وتتغير باختلاف وتَغَيُّر ما بنيت عليه، بمعنى: أن هناك من الفتاوى ما تكون مبنية على نصٍّ ثابت في كتاب الله، أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا الحكم عامٌ لا تغيير فيه ولا تبديل، فتثبت بذلك الفتوى حينئذ؛ لأن مبناها ليس على زمانٍ أو مكانٍ أو عرفٍ أو حالٍ معين، وهناك من الفتاوى ما تكون مبنية على عرفٍ معين أو معنى معين، أو في حالٍ معينة، فإذا تغيرت هذه الأحوال والأعراف، تغيرت الأحكام، وبالتالي تتغير الفتوى إلى ما يناسب حال النّاس واحتياجهم، وأعرافهم، وزمانهم ومكانهم بما لا يخالف النّصوص الشرعية. 

وعندما نقول: إن الفتوى تتغير، فليس المعنى، أنَّ أحكام الشريعة كلها قابلة للتغيّر، وذلك لتغير الزّمان والمكان والعرف؛ لأن أحكام الشّريعة، منها: ما هو ثابت دائم لا مجال فيه للتّغير والاختلاف، مهما تغيّرت الظروف والأحوال كوجوب الواجبات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

 ومنها: ما يتغير حسب اقتضاء المصلحة له، زمانًا ومكانًا، وحالًا، كمقادير التعزيزات وأجناسها وصفاتها، فإنّ الشرع ينوِّع فيها حسب المصلحة، وهذا يدلّ على مرونة الشريعة وسعتها، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز: “يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور، أي يجدون أسبابًا يقضي الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك، لأجل عدمه منها قبل ذلك، لا لأنها شرع مجدد.