رئيس التحرير
محمود المملوك

العظماء الخمسة.. أحفاد الفراعنة يروون كواليس ترميم معبد الكرنك: اشتغلنا 12 ساعة يوميًا وفخورين باللي عملناه

فريق العمل
فريق العمل

البقعة المختارة، هذا ما أطلقه المصريون القدماء قبل آلاف السنين على معبد الكرنك، حيث يتم فيه تقديس الإله العظيم آمون رب طيبة، لهذا كان يمثل القوة السياسية الكبيرة حينها.

سهام، بهاء، آية، أحمد ومحمود، خمسة عظماء من وسط فريق كبير، استطاعوا بأناملهم وعيونهم البراقة عمل تحويل ساحر لمعبد الكرنك، كما شاركوا في تركيب طريق الكباش، تلك الملحمة الفنية التي يشاهدها العالم أجمع اليوم في السابعة مساءً، وراءها أحفاد الفراعنة الذين كشفوا لـ القاهرة 24  كواليس الترميم.

روت سهام سهري، 32 عامًا، أنها تخرجت في كلية الآثار قسم الترميم، وهي حاليًا أخصائية ترميم بمصر العليا في محافظة الأقصر، ورغم رغبتها الأولى في الالتحاق بكلية السياحة والفنادق حتى تكون مرشدة سياحية، فإن القدر ساقها كي تكون هنا، وتشارك في حدث يتحدث عنه العالم اليوم.

قالت سهام في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، إنها عُرض عليها من قبل إدارتها أن تشارك في عمل قومي هي وفريق كبير تحت إشراف الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدة: اتحمسنا جدًا بمجرد سماعنا الخبر.

فريق العمل

بدأنا أنا وزملائي بالذهاب إلى موقع العمل، وصعدنا جميعًا إلى "السقالات"، ولعلها من أصعب الأشياء التي واجهناها، حيث كان الفريق مكوّنا من 70% من الفتيات اللاتي تفاوتت أعمارهن، ولكن جمعنا الحماس والفخر والتشويق، تلك المشاعر التي لم تجعلنا نهاب صعود السقالة والعمل في جدران يتخطى ارتفاعها الـ20 متر.

وأضافت سهام أن الفريق أعاد ترميم 134 عمودًا، كانت البداية يوم 1 أغسطس، وتم تقسيم الفريق إلى مجموعتين، إحداها من الصباح الباكر إلى صلاة الظهر وأخرى من الظهر إلى المغرب، وكان هناك من يعمل أكثر من ذلك، فكانت روح التعاون هي السائدة بيننا.

وصفت سهام الحالة التي كانت عليها آثار معبد الكرنك قبل الترميم،بأنها كانت متدهورة تمامًا، يغطيها الاتساخ من كل الاتجاهات، غبار وأتربة وأمطار وشروخ وطين، كل تلك الأشياء كانت كافية لتغطية الجدار بالكامل.

وتابعت سهري: تمكنا من تنظيف الجدران وإظهار الألوان الرائعة ودعمها دون إضافة خارجية عليها، ظهرت طقوس العصور القديمة، العسكرية والدينية والاحتفالات وحتى الحياة الروتينية لديهم، فكان كل ذلك مغطى تحت الغبار.

أما بهاء الثلاثيني، الحاصل على ليسانس آداب قسم ترميم، فأوضح في تصريحات لـ القاهرة 24، أنه بعد تكليفه مع زملائه للعمل في معبد الأقصر والكرنك، قاموا بإزالة كافة عوامل التلف المختلفة، والتي كانت متمثلة أيضًا في أعشاش العناكب والدبابير ومختلف العوالق، متابعًا: كانت ملحمة فنية عظيمة.

يقول بهاء، استخدمنا مختلف الفرش من أجل عملية التنظيف الميكانيكي، وهي أول ما تم القيام به في مشروع صالة الأعمدة، ثم تأتي بعد ذلك عملية التنظيف الكيميائي، والتي تم بها فرد كمادات من المناديل بمواد كيميائية وهي بيكربونات أمونيا بنسب معينة.

وتابع بهاء: استخدمنا مواد أخرى مثل الكربكسي والأربوسيل، وذلك لإظهار الألوان الموجودة على الأحجار، بالإضافة إلى استعمال الكمادات الطينية والتي تدعى بنتونيت لإزالة الأملاح، وأخيرًا استخدمنا مادة بلارويد لتقوية الألوان والحفاظ عليها بشكل دائم من التعرض لعوامل التلف مرة أخرى.

أضاف بهاء أنه سعيد وفخور كثيرًا لأنه جزء من عمل رائع يشاهده العالم اليوم.

بينما أعربت آية عن سعادتها الكبيرة، ليس فقط لمشاركتها في ترميم المعبد، ولكن لكونها أصغر مرمم أثري في الفريق، حيث يبلغ عمرها 19 عاما فقط.

تقول آية، في الفرقة الثانية لكلية الآثار قسم الترميم، خلال حديثها مع القاهرة 24، إن رغم رغبتها في الالتحاق بكلية علمية، إلا أنها اقتنعت تمامًا بدخولها كلية الأثار وتشعر الأن بأهمية المجال التي اختاره لها القدر كي تتعلمه.

وأضافت آية أنها طالبت بالمشاركة في مشروع ترميم معبد الكرنك، وتحدثت مع المسؤول وهو الدكتور غريب سنبل، ورغم صغر سنها فإنه وافق على منحها هذه الفرصة.

كانت آية تخرج من بيتها في السادسة صباحًا وتعود في مثل هذا الموعد في المساء على مدار الأسبوع، وكان عملها تحت إشراف متخصصين في الترميم ساعوها كثيرًا.

شاركت آية في العلاج الميكانيكي ثم الكيميائي للأعمدة، والذي يتم فيه استخدام مادة أديتا والماء المقطر وعجينة الكربوكسي مع ميثيل السليلوز، كما عملت آية في استخدام المونة، وأيضًا استخدمت الفرش الناعمة من النواة البوصة أو النصف بوصة، حتى لا يتم تجريح الآثار.

فريق العمل

واستكملت آية حديثها: في تقوية الشروخ تم الحقن بمادة الأكريل أو بريمال ولتقوية الألوان الأثرية استخدمنا مادة كلوسيل.

ذكرت آية أن طلاب كلية الآثار بالأخص قسم الترميم، دائمًا ما يتعرضون لسخرية بسبب تساؤل ما فائدة هذا القسم، فهو ليس له ملامح مستقبلية حسب وصفهم، مشيرة إلى أن افتتاح اليوم يكفي ليرد على كل الاتهامات الواقعة على طلاب الآثار.

وأشار أحمد إبراهيم، أحد المشاركين في ترميم معبد الأقصر وتركيب طريق الكباش، إلى أن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، كان في زيارة لهم بشكل أسبوعي ومعه الدكتور خالد عناني، وزير السياحة والآثار، فكانوا يحصلون على الدعم الكامل منهما للترتيب قبل الاحتفال بطريق الكباش.

روى أحمد لـ القاهرة 24، أنهم قبل البدء في العمل قاموا بالتوثيق الكتابي والفوتوغرافي لجميع مظاهر التلف، حيث يتم أولًا وقبل أي ترميم، عمل جميع الفحوصات والتحاليل اللازمة ووضع خطة للعلاج قبل البدء.

وأضاف أحمد أن الألوان المصرية التي تتعلق بالمعبد ظهرت بكامل رونقها، فكانت زاهية ولم نستطع تصديق النتيجة التي وصلنا إليها، كانت مذهلة حقًا.

وتابع أحمد: مشاعر متداخلة من الفخر والاعتزاز والسعادة، فتراث الأجداد حافظ عليه الأحفاد، نحن أظهرنا حضارة وعظمة الآثار المصرية القديمة، ومستعدون اليوم لإبهار العالم بجمال مصر وآثارها التي بأيدينا تمكنا من تجميلها.

ووصلت إلينا رسالة من الدكتور مصطفى مدبولي، أوضح لنا كم هو فخور بنا ويعتز بما صنعناه بأيدينا.

فيما أوضح محمود عبد الناصر، 32 عاما، متخصص في ترميم الآثار، أن حب دراسة المجال الأثري منذ البداية هي السبب الرئيسي في ظهور المعبد في النهاية بهذا الشكل الذي يتحدث عنه العالم الآن، مؤكدًا: عشقنا لتراثنا وتاريخنا هو اللي طلع الشغل كدة.

وأضاف عبد الناصر لـ القاهرة 24، أن هذا العمل العظيم استمر لمدة ثلاثة أشهر، فكنا نعمل لمدة 12 ساعة وكان يمكن أن نستمر أكثر من ذلك.

وعن التحديات التي واجهوها، قال عبد الناصر إن عامل الوقت هو أصعب ما قابلنا، حيث كانت هناك مدة محددة كي نسلم فيها الأعمدة التي تغيرت 180 درجة، فكنا نسابق الوقت وكان الضغط كبيرًا علينا.

وتابع عبد الناصر: تحدينا أنفسنا، وكنا نرغب في إظهار عمل لا يحتوي على أي أخطاء ولو بنسبة 1%، والحمد لله أنه منحنا ذلك بالفعل.

واختتم العظماء حديثهم: نحن لن نمل من العمل ولدينا الطاقة التي تجعلنا نكمل ترميم بقية آثار مصر حتى يراها العالم، وأكبر دليل حدث اليوم المهيب الذي سيكون له تأثير كبير وواضح في السياحة المصرية.