رئيس التحرير
محمود المملوك

أصوات شعرية.. أحمد شوقي أيقونة الشعر المصري

الشاعر أحمد شوقي
الشاعر أحمد شوقي

أحمد شوقي، الأيقونة المضيئة في صفحات الشعر المصري، الشاعر الذي أظهر براعة حاسمة في كلماته وأفكاره، الفذ ذو الإحساس الشعري العميق، والمعاني البلاغية المتميزة، أمير الشعراء الذي نصب على عرش الشعرية المصرية حديثًا ممثلًا أقوى المعاني وأمتع الأبيات.

يعد أحمد شوقي من أبرز الشعراء المؤثرين في التراث المصري الحديث، حيث تميز بنباهة شديدة في تعلم الشعر واستظهاره منذ صغره، ولد عام 1868 بحي الحنفي بالقاهرة، وجرى الشعر على لسانه وهو ابن الخامسة عشرة من عمره، اكتشف موهبته شيخه الأستاذ محمد البسيوني ورأى أنه نموذج عظيم في الشعر والكتابة.

سافر إلى فرنسا على نفقة الخديوي توفيق، وكان من الشعراء المادحين في بلاط الأسرة الحاكمة، كما أدخل شوقي شعره في الحركات الشعبية والمناهضة للاحتلال الإنجليزي بعدما توثقت علاقته بزعيم الحركة الوطنية مصطفى كامل.

كيف كتب الشعر؟

كتب أحمد شوقي الشعر بكل حماس ومرونة، وعبر عن مختلف القضايا التي واجهته في حياته، من مصر إلى فرنسا إلى معارضة الإنجليز ومقاومتهم بشعره، وتنوع في الأساليب البلاغية، وكانت كل كتاباته من الوجدان، واشتهر بالرومانسية وبراعته في الغزل، كما أنه مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بعدة قصائد من أشهرها قصيدته التي كتبها على نهج بردة البوصيري وأسماها نهج البردة.

مؤلفاته الشعرية ومسرحه الشعري

بعدما شوقي يويع أميرًا للشعراء تحول إلى كتابة المسرحيات في شعره ومن أبرز هذه المسرحيات: مسرحية مصرع كليوباترا، مسرحية قمبيز، مسرحية أميرة الأندلس، مسرحية الست هدى، مسرحية البخيلة، مسرحية علي بك الكبير، مسرحية شريعة الغاب.

جزء من قصيدة نهج البردة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

ريـمٌ عـلى القـاعِ بيـن البـانِ والعلَمِ
أَحَـلّ سـفْكَ دمـي فـي الأَشهر الحُرُمِ

رمـى القضـاءُ بعيْنـي جُـؤذَر أَسدًا

يـا سـاكنَ القـاعِ، أَدرِكْ ساكن الأَجمِ

لمــا رَنــا حــدّثتني النفسُ قائلـةً

يـا وَيْـحَ جنبِكَ، بالسهم المُصيب رُمِي

جحدتُه، وكـتمتُ السـهمَ فـي كبدي

جُـرْحُ الأَحبـة عنـدي غـيرُ ذي أَلـمِ

رزقـتَ أَسـمح مـا في الناس من خُلق

إِذا رُزقـتَ التمـاس العـذْر فـي الشِّيَمِ

يـا لائـمي في هواه - والهوى قدَرٌ -

لـو شـفَّك الوجـدُ لـم تَعـذِل ولم تلُمِِ

لقــد أَنلْتُــك أُذْنًــا غـير واعيـةٍ

ورُبَّ منتصـتٍ والقلـبُ فـي صَمـمِ

يـا نـاعس الطَّرْفِ; لاذقْتَ الهوى أَبدًا

أَسـهرْتَ مُضنـاك في حفظِ الهوى، فنمِ

أَفْـديك إِلفً، ولا آلـو الخيـالَ فِـدًى

أَغـراكَ بـالبخلِ مَـن أَغـراه بـالكرمِ

سـرَى، فصادف جُرحًـا داميً، فأَسَا

ورُبَّ فضــلٍ عـلى العشـاقِ للحُـلُمِ

مَــن المـوائسُ بانًـا بـالرُّبى وقَنًـا

اللاعبـاتُ برُوحـي، السافحات دمِي؟

الســافِراتُ كأَمثـالِ البُـدُور ضُحًـى

يُغِـرْنَ شـمسَ الضُّحى بالحَلْي والعِصَمِ

القــاتلاتُ بأَجفــانٍ بهــا سَــقَمٌ

وللمنيــةِ أَســبابٌ مــن السّــقَمِ

العــاثراتُ بأَلبــابِ الرجـال، ومـا

أُقِلـنَ مـن عـثراتِ الـدَّلِّ في الرَّسمِ

المضرمـاتُ خُـدودً، أسفرت، وَجَلتْ

عــن فِتنـة، تُسـلِمُ الأَكبـادَ للضـرَمِ

الحــاملاتُ لــواءَ الحسـنِ مختلفًـا

أَشــكالُه، وهـو فـردٌ غـير منقسِـمِ

مـن كـلِّ بيضـاءَ أَو سـمراءَ زُيِّنتا

للعيـنِ، والحُسـنُ فـي الآرامِ كالعُصُمِ

يُـرَعْنَ للبصـرِ السـامي، ومن عجبٍ

إِذا أَشَــرن أَســرن الليـثَ بـالعَنمِ

وضعـتُ خـدِّي، وقسَّـمتُ الفؤادَ ربًى

يَـرتَعنَ فـي كُـنُسٍ منـه وفـي أَكـمِ

يـا بنـت ذي اللِّبَـدِ المحـميِّ جانِبُـه

أَلقـاكِ فـي الغاب، أَم أَلقاكِ في الأطُمِ؟

مـا كـنتُ أَعلـم حـتى عـنَّ مسـكنُه

أَن المُنــى والمنايـا مضـرِبُ الخِـيمِ

مَـنْ أَنبتَ الغصنَ مِنْ صَمصامةٍ ذكرٍ؟

وأَخـرج الـريمَ مِـن ضِرغامـة قرِمِ؟

بينـي وبينـكِ مـن سُـمْرِ القَنا حُجُب

ومثلُهــا عِفَّــةٌ عُذرِيــةُ العِصَـمِ

لـم أَغش مغنـاكِ إِلا في غضونِ كَرًى

مَغنــاك أَبعــدُ للمشـتاقِ مـن إِرَمِ

يـا نفسُ، دنيـاكِ تُخْـفي كـلَّ مُبكيـةٍ

وإِن بـدا لـكِ منهـا حُسـنُ مُبتسَـمِ

فُضِّـي بتقـواكِ فاهًـا كلمـا ضَحكتْ

كمــا يُفـضُّ أَذَى الرقشـاءِ بـالثَّرَمِ

مخطوبـةٌ - منـذُ كان الناسُ - خاطبَةٌ

مـن أَولِ الدهـر لـم تُـرْمِل، ولم تَئمِ

يَفنـى الزّمـانُ، ويبقـى مـن إِساءَتِها

جــرْحٌ بـآدم يَبكـي منـه فـي الأَدمِ

لا تحــفلي بجناه، أَو جنايتها

المـوتُ بـالزَّهْر مثـلُ المـوت بالفَحَمِ

كـم نـائمٍ لا يَراه، وهـي سـاهرةٌ

لــولا الأَمـانيُّ والأَحـلامُ لـم ينـمِ

طــورًا تمـدّك فـي نُعْمـى وعافيـةٍ

وتـارةً فـي قـرَار البـؤس والـوَصَمِ

كـم ضلَّلتـكَ، وَمَـن تُحْجَـبْ بصيرتُه

إِن يلـقَ صابـا يَـرِد، أَو عَلْقمـا يَسُمِ

يــا ويلتـاهُ لنفسـي! راعَهـا ودَهـا

مُسْـوَدَّةُ الصُّحْـفِ فـي مُبْيَضَّـةِ اللّمَمِ

ركَضْتهـا فـي مَـرِيع المعصياتِ، وما

أَخـذتُ مـن حِمْيَـةِ الطاعـات للتُّخَـمِ

هــامت عـلى أَثَـرِ اللَّـذاتِ تطلبُهـا

والنفسُ إِن يَدْعُهـا داعـي الصِّبـا تَهمِ

صــلاحُ أَمـرِك للأَخـلاقِ مرجِعُـه

فقـــوِّم النفسَ بــالأَخلاقِ تســتقمِ

والنفسُ مـن خيرِهـا فـي خـيرِ عافيةٍ

والنفسُ مـن شـرها فـي مَـرْتَعٍ وَخِمِ

تطغـى إِذا مُكِّـنَتْ مـن لـذَّةٍ وهـوًى

طَغْـيَ الجيـادِ إِذا عَضَّـت على الشُّكُمِ

إِنْ جَـلَّ ذَنبـي عـن الغُفـران لي أَملٌ

فـي اللـهِ يجـعلني فـي خـيرِ مُعتصَمِ

أُلقـي رجـائي إِذا عـزَّ المُجـيرُ على

مُفـرِّج الكـرب فـي الـدارينِ والغمَمِ

إِذا خــفضتُ جَنــاحَ الـذُّلِّ أَسـأَله

عِـزَّ الشفاعةِ; لـم أَسـأَل سـوى أَمَمِ

وإِن تقـــدّم ذو تقـوى بصالحــةٍ

قــدّمتُ بيـن يديـه عَـبْرَةَ النـدَمِ

لـزِمتُ بـابَ أَمـير الأَنبيـاءِ، ومَـنْ

يُمْسِـكْ بمِفتــاح بـاب اللـه يغتنِـمِ
فكــلُّ فضـلٍ، وإِحسـانٍ، وعارفـةٍ

مــا بيــن مســتلمٍ منـه ومُلـتزمِ

علقـتُ مـن مدحـهِ حـبلًا أعـزُّ بـه

فـي يـوم لا عِـزَّ بالأَنسـابِ واللُّحَـمِ

يُـزرِي قَـرِيضِي زُهَـيْرًا حين أَمدحُه

ولا يقـاسُ إِلـى جـودي لـدَى هَـرِمِ

محــمدٌ صفـوةُ البـاري، ورحمتُـه

وبغيَـةُ اللـه مـن خَـلْقٍ ومـن نَسَـمِ

وصـاحبُ الحـوض يـومَ الرُّسْلُ سائلةٌ

متـى الـورودُ؟ وجـبريلُ الأَمين ظَمي

ســناؤه وســناهُ الشــمسُ طالعـةً

فـالجِرمُ فـي فلـكٍ، والضوءُ في عَلَمِ

قـد أَخطـأَ النجـمَ مـا نـالت أُبوَّتُـه

مـن سـؤددٍ بـاذخ فـي مظهَـرٍ سَنِم

نُمُـوا إِليـه، فـزادوا في الورَى شرَفًا

ورُبَّ أَصـلٍ لفـرع فـي الفخـارِ نُمي