رئيس التحرير
محمود المملوك

لرزقكم كما يرزق الطير

• في 2016 دكتور "ياسين الأبحر" واللي كان وقتها بيشتغل في مستشفى كبيرة في 6 أكتوبر وساكن هناك برضو بيحكي عن موقف اتحكاله السنة اللي فاتت من شخص بسيط من الشرقية اسمه "عوض" بيشتغل حارس عقار (بواب (لعمارة موجودة في 6 أكتوبر..  كعادة الجماعة الشراقوة كرامتهم عندهم فوق أى حاجة.. "عوض" وبسبب عك ومشاكل وعنطزة وتنطيط من السكان ساب شغله في العمارة.. سلّم المفاتيح للناس وقالهم سلام عليكم ومشي!.. الفكرة في صعوبة قراره إنه جه قبل شهر رمضان بيوم واحد بس والفكرة كمان إن فيه زوجة وبنت صغيرة عندها 5 سنين مربوطين في رقبته!.. خزين الأكل اللي كان عندهم في الأوضة يادوبك يكفيهم أول يومين تلاتة في رمضان ولازم يبدأ يدوّر على شغل تاني فورًا وكمان عشان يقدر يدفع إيجار الأوضة.. قبل كام ساعة من فجر أول يوم رمضان وهما بيتسحروا؛ بنته قالتله: مش بكرة رمضان ؟.. قال: آه.. قالت: طب أنا عايزة فانوس.. بيقول: والله ما حسيت بمعنى العين بصيرة والإيد قصيرة قد وقتها.. فكر بسرعة ودرس الموضوع لقى إن بحسبة بسيطة أقل فانوس عليه القيمة تمنه مش أقل من 20 جنيه وهو حرفيًا مش معاه يكمل لإن لسه الناس بتوع العمارة ماسلمهوش باقي حسابه!.. وغالبًا مش هيسلموه حاجة بعد ما سابهم ومشي!.. ماقدرش ينام من كتر التفكير.. خرج على العصر وعدى على زميله وبلدياته "منصور" البواب.. "منصور" عنده توك توك بيشتغل عليه بس كان مقرر إنه في رمضان وعشان الصيام والحر يريح في النهار ويشتغل بعد المغرب في الطراوة.. "عوض"  طلب منه إنه ياخد التوك توك بتاعه يشتغل عليه من العصر للمغرب والفلوس اللي هتيجي بالنص.. التاني وافق.. واحدة ست شاورتله ووقف لها.. طلبت منه يوصلها مشوار بعيد شوية تقريبًا هياخد نصف ساعة رايح.. وهينتظرها نصف ساعة.. وهيرجعها تاني في نصف ساعة.. يعني إجمالي المشوار ساعة ونصف.. "عوض" قال يا فرج الله حلو ده.. فعلًا وصلها وانتظرها ورجعها تاني لنفس مكانها.. الست بتدور على فلوس في الشنطة بتاعتها مالقتش.. قالتله: معلش يا أخويا والنبي تستناني هنا هخش الشارع أطلع البيت وأجيبلك الفلوس اوعى تتحرك.. قالها ماشي.. الست دخلت الشارع وماطلعتش.. فضل واقف منتظر أكتر من نصف ساعة.. واحد راجل عجوز ماشي شاف" عوض" واقف بيضرب أخماس في أسداس وسأله فيه إيه.. حكاله.. الراجل قاله: عوضك على الله يا ابني؛ نصبت عليك.. "عوض" بيحكى إن الدنيا ضلمت في عينيه وبقى مش فارق معاه إلا بنته اللي منتظراه يخش عليها بالفانوس والكام ساعة اللي ضاعوا على الفاضي دول واللي أكيد "منصور" هيسأله عن حقهم.. نفسه اتسدت وقرر يرجع البيت.. وهو في الطريق أذان المغرب كان باقي عليه أقل من 10 دقايق.. قال لنفسه: يا رب لما أنت عارف كل اللي هيحصل لي ده خرجتني ليه من البيت بس.. وهو ماشي شاف واحدة ست كبيرة في السن كانت بتشاور له.. كان ناوي مايقفش بس قال هسألها لو طلعت في طريقي زي بعضه لكن لو بعيد طز.. سألها وعرف إنها في منطقة الفلل اللي ورا المساكن الشعبية اللي هو ساكن فيها.. يعني في طريقه.. وصلها.. عرف منها إنه نجدها لأنها بقالها نصف ساعة واقفة في الشارع وعربيتها عطلت ومش لاقية تاكسيات في الشوارع عشان الكل كان بيستعد يفطر في بيته.. وصلت.. طلعت مـن جيبها ورقة بـ 200 جنيه وقالتله: أنت جدع؛ كل سنة وأنت طيب.. جاب الفانوس لبنته وإدى 50 جنيه لـ "منصور" أكتر من نصف تمن وردية يوم وخلّى الباقي معاه.. "عوض" حاليًا بواب فيلا السيدة دي وأسرتها في الشيخ زايد ومش بيفوّت فرصة كل ما يشوف حد إلا ويحكيله قصته!.

 

• بيض "الغراب" لما بيفقس ويطلع منه الغربان الصغيرين اللي اسمهم "النعاب"؛ الأم بتكون نافرة منهم بشكل أو بآخر عشان مستغربة شكلهم اللي مابيكونش شبه الغربان الكبار!.. المنقار صغير.. اللون بيكون في الغالب أقرب للرصاصي عن الإسود.. صوت الصوصوة بتاعتهم برضه بيبقي حاد مسرسع عن صوت الغراب الطبيعي التخين المزعج!.. كلها حاجات بتخلّي الغراب الأم تقول دول مستحيل يكونوا ولادي.. بتسيبهم.. بتبعد.. بيموتوا؟.. لأ.. "النعاب" الصغيرة بتصوصو من وجع الجوع.. فجأة وبدون مقدمات وقبل ما تيجي لحظة الموت بسبب الجوع بتفرز  "النعاب" مادة بيضاء لزجة حوالين بُقها.. المادة تجذب حشرات صغيرة وتلزق فيها.. "النعاب" تاكلها.. تعيش.. يومين تلاتة أربعة أسبوع يبدأ الريش الإسود يطلع.. الأم تبتدي تتعود علي شكل عيالها.. تبتدي تتولى مهمة أكلهم هي بقى!.. في نفس اللحظة اللي كان الموت قريب بسبب غياب الرزق تتفتح سكة ربانية تانية خالص عشان تدب الروح في كائنات لا حول لها ولا قوة وتلاقي رزقها متساق لحد عندها فتكمل وتعيش!. 

•  السيدة الأمريكية "دايان ويلسون" 59 سنة بتحكي قبل وفاتها مباشرة عن حياتها في جريدة نيويورك تايمز وبتقول إنها لما إتجوزت زوجها الحالي "الآن" من أكتر من 35 سنة كانت متجوزاه على مضض.. ليه؟.. لإنها وبعد كذا تجربة عاطفية فاشلة قبل جوازهم كانت نفسها إتسدت من الرجالة كلهم خلاص.. بس بسبب ضغط أهلها اللي كانوا عايزين يشوفوها اُم وبسبب ضغط حب "الآن" ليها من أيام الجامعة وافقت.. اللي هو كلهم شغالين زن زن زن على ودانها طب خلاص هتجوزه عشان ترتاحوا ويرتاح..  بس الحقيقة إن "الآن" وزى ما بتحكي عنه "دايان" كان عنده مشكلة تانية من وجهة نظرها.. شكل كف إيده كان وحش!.. إيه؟.. كف ضخم جدًا مش متناسق مع باقي جسمه وإيدين متشققة بسبب طبيعة شغله كنجار  وأظافر أغلبها متسخ.. إتجوزوا وخلفوا.. بتقول:  (كنت أخاف من ملامسته لـ بشرة أبنائنا الرقيقة بيده الغليظة، وكنت أحرج أن أمسك يده أمام الناس ونحن نتسوق أو أثناء وجودنا في أى مكان عام أو حفلة، الحقيقة هو زوج رائع باستثناء يديه).. هو كان بيحس بـ النفور ده منها بس ماكنش في إمكانه يعمل حاجة!.. مع الوقت ولادهم إتجوزوا وكل واحد في الولاد كطبيعة المجتمع الأمريكي اللي المشاعر مش بتحتل فيه المكانة الأولى في التعاملات؛ راح شاف مصلحته وإنفصل في بيت مستقل.. فضل "الآن" و"دايان" في البيت لوحدهم.. "دايان" أصيبت بـ سرطان الثدي اللي إنتقل بعد كده لـ العمود الفقري.. بتقول في باقي كلامها إنها وإبتدءًا من وقت مرضها بدأت تبص لـ إيد جوزها بشكل مختلف.. لحظة لحظة!.. أنا أكتشفت إن الإيد دي هي اللي مسكت الأشعة اللي فيها تشخيص مرضي.. وهي الإيد اللي طبطبت على كتفي عشان تخفف وقع الصدمة عليا.. ونفس الإيد هي اللي كانت بتحميني وتجفف ضهري بمنتهى الرقة لإني ماكنتش أقدر أستحمى لوحدي بعد المرض.. ونفس الإيد هي اللي كانت بتزق الكرسي المتحرك بتاعي بالراحة وبهدوء.. في مرة في أواخر أيامها بتقول له: (عليك أن تصطحبنى غدًا لزيارة طبيب العيون).. قال لها بإستغراب: (لكنك لم تشتكي يومًا من نظرك!).. ابتسمت وقالت: (بلى، كنت أراك دومًا من الخارج ولم أستطع رؤية قلبك من الداخل؛ ألا يكفي هذا لإثبات أن نظري ضعيف).. دون ما يتكلم باس كف إيدها وراسها وبكى.. قالت له بالنص: (حبك رزق من الله لي).

 

• من 8 سنين فاتوا لما سيبت الشغل القديم بتاعي، ورغم حالة العكننة والكآبة اللي الواحد كان فيهم؛ أبويا الله يرحمه حب يخفف عني بفطرته البسيطة فطلعت منه جملة بسرعة وفي وقتها: (مش مهم؛ مافيش مكان مافيهوش ربنا ولا مكان مافيهوش رزق).. مهما اتخلى عنك البشر اللي ماكنتش فاكر إنهم هيبعدوا في يوم؛ بتظهر حكمة ربنا وعوضه وتدبيره اللي بتثبت إن تفاصيل حياتك بإيده هو وبس.. يقينك وثقتك في ربنا هما اللي هيقولوا كلمة النهاية فى أي صعب تقابله.. رزقك محدش هيحوشه، ولا هيأخره.. وقلبك مش هيتوجع إلا وكان مصروف له في نفس اللحظة نصيبه من رزق الشفا بعد الوجع.. رزقك بيدور عليك يمكن أكتر ما أنت بتدور عليه.. الإمام "الشافعي" قال: ( توكلتُ في رزقي على اللّهِ خالقى؛ وأيقنْتُ أن اللّهَ لاشكَّ رازقي).