رئيس التحرير
محمود المملوك

هل جربت الدخول إلى عالم الغرفة المُحترقـة؟.. مجموعة قصصيّة لـ كريم إبراهيم

إذا لم تُجرب عزيزي القارئ الدخول إلى "عالم الغرفة المُحترقة"، بالـتأكيد سأحاول بكُلّ ما أوتيت من رؤية نقدية مساعدتك؛ للتجول قليلًا في شوارع كل قصة داخل المجموعة القصصيّة: "لعنة الغرفة المحترقة" الصادرة عن دار: "بِبلُومانيا للنشر والتوزيع"؛ للتعايش مع كل شخصية من شخصياتها، ذلك دون حرق للأحداث، مثلما عشت معها على مدار يومين، ففي حقيقة الأمر نحن لسنا أمام مجموعة اجتماعية تنتقد المجتمع، أو تسلط عليه الضوء فحسب، أو مجموعة تهتم بالأدب التاريخي، أو عمل يخاطب مشاعر ووجدان القارئ، أو عمل يعتمد على اللا معقولية، أي الفانتازيا، لكنها مجموعة قصصيّة تنوعت بين الأدب التاريخي، والاجتماعي، والرعب، والفانتازيا الشيقة. وحقيقة الأمر أن الكاتب استطاع بخياله نسج كل القضايا المجتمعية بلغة بسيطة قريبة من الشباب بل جيل اليافعين، ذلك لا يخلو من الدرامية، والصورة السينمائية المتكاملة التي لا تنفك عن العمل الإبداعي المكون من اثنتي عشرة قصة قصيرة، حتّى في توظيف الإثارة والتشويق في أدب الرعب لم يقدم الصورة الاعتيادية التي أصبحت تميل إلى التكرار، وصياغة نفس الفكرة مع تغير الحبكة، لكنه قدم الرعب الذي يعود إلى التعويذات التي ذُكرت في التاريخ الفرعوني، وأخذت تتردد على مسامع السامعين لفترة طويلة؛ حتى أصبحت عادة من العادات المستخدمة التي تُحاك حولها القصص الجديدة، لكنها داخل الغرفة لم تكن مستهلكة بل متنوعة ومُثيرة، وهي كالتالي؛ القصة الأولى: "لعنة الغرفة المحترقة"، والقصة الثانية: "كانت قراري"، والقصة الثالثة: "المدينة الجامعية"، والقصة الرابعة: "الاستنزاف"، والقصة الخامسة: "الحب بعد الزواج"، والقصة السادسة: "ذئاب الجان"، القصة السابعة: "عودة أنوبيس"، القصة الثامنة" "كورونا" (الوباء ألا نكون بشرًا)، القصة التاسعة: "النداهة" (أصل الأسطورة)، القصة العاشرة: "إرث سليمان"، القصة الحادية عشر: "القط الحارس"، القصة الثانية عشرة: "ليلة في قبر أبي".

وقبل الغوص في تفاصيل المجموعة لا بد من توضيح مواصفات القصة القصيرة الأدبية، والتي تُعدُّ سردًا لموقف واقعيٍ أو خياليٍ، ويأتي السؤال ما الهدف منها مادام لدينا فن الرواية وهو أكثر الأجناس الأدبية بعد الشعر؟ الهدف هو إمتاع القارئ، وتمرير مجموعة من المواعظ والقيم الاجتماعية التي تؤثر في المتلقي، ويمكننا القول: إنها رسالة في ثوب قالب قصصي من أجل الإثارة والتشويق، وتمرير القيم والمبادئ؛ حيث يتم صياغة الأحداث من خلال تخليق عدة شخصيات؛ لتقديم المشكلة أو لإمتاع القارئ، فالقصة هي إحدى أنواع السرد، والحكاية تتكون من عدة عناصر، مثل: عناصر دراميّة، وحبكة، وأحداث تتصاعد، وصراع، والذي تدور حوله الفكرة الأم، والزمان والمكان، لكن لا يتم الوصف بشكلٍ مفصل، بل يتم عرض هذا الفلك الإبداعي في حوالي أربع صفحات مقدمة في قالب درامي لديه من القيمة الفنية قدرًا عاليًا من الجودة. وقد أوضح الأستاذ الدكتور: "صلاح فضل" خلال تحليله النقدي لمجموعة: "العتب على النظر"، لأمير القصة "يوسف إدريس" أنه لم يجد من بين النقاد المحدثين أقوى ولا أوضح من عبارة "لوكاتش" الشهيرة لتحديد الجذر الأساسي لفن القصة؛ يقصد هنا العالم الجليل صلاح فضل القواعد الأساسية لكتابة القصة القصيرة التي تُعَدُّ سردًا حكائيًا أقصر من الرواية، لكنها تُقدم في شكل معين ومدة زمنية قصيرة؛ لتعبر عن موقف أو جانب من جوانب الحياة، هذا لا يجعلها تبتعد عن الدرامية واللغة الشعرية المُتدفقة الجذابة الخاطفة لمشاعر ووجدان القارئ، لكن تجعلها أكثر حيوية ومرونة عندما تمتزج فيها جميع الأبنية المتشابكة لوظائف القصة؛ لتتمكن من التأثير في نفسه (أي المتلقي)، تلك هي الوظيفة الأساسية للرسالة المرسلة من الـراسل ليستقبلها المتلقي، منها إلى الصورة النهائية التي يفهمها المجتمع". انظر: صلاح فضل، "شفرات النص".

وإذا كان هذا تعريفنا للقصة القصيرة التي استطاع القاص "كريم إبراهيم" تحقيقها في مجموعته القصصية، فماذا عن الأسلوب في كل قصة من القصص الاثنتي عشرة؟ حيث نلحظ امتزاج الخيال مع اللغة الفياضة التي تغوص مع الدراما الوصفية، ففي القصة الأولى: "لعنة الغرفة المحترقة" يعرض لمجموعة من القضايا المجتمعية لسيطرة القنوات الخاصة على ما يجب أن يقال، وما لا يجب أن يقال، ومحاولة تسيس الكلمة، وتبدأ القصة مع خروج فتاة تُدعى "سارة" من القناة، وهي ناقمة على القناة، وعلى سياستها، إلى أن وجدت هي وصديقها ملفًا يدور حوله العديد من المغامرات؛ ذلك لا ينفي تسريب الأفكار والرسائل للقارئ ليفهمها: "(القضية رقم 66 لسنة 2000 جنايات العجوزة) منزل "علاء النوبي". تحركت القوة من قسم العجوزة في تمام الساعة 9 مساءً بناء على بلاغ ورد إلى النجدة من أحد سكان العقار رقم 7 بشارع الفالوجا؛ حيث قال: إن الشقة أسفل شقته يصدر منها أصوات صراخ واستغاثة... " ص 14.

أمّا عن القصة الثانية: "كانت قراري"، تدور حول فارق السن بين المتحابين، بل العوائق الاجتماعية، ونظرة المجتمع لهذا الحب، بل التضحية؛ من أجل أن يبقى الحب وهو القرار: "وبين كل هذا الضياع وعدم الاستقرار كانت هي ثباتي ويقيني، وكانت الاختيار الذي اخترته دون تردد ولو ثانية واحدة. لازلت أتذكر حتى الآن لقاءنا الأول، كنت أحضر درس اللغة الإنجليزية عند زميل لي للمرة الأولى، وكانت هي ضمن مجموعة الدرس، ولحظي كان جلوسي في الكرسي المقابل لها على المائدة، وحقًا كنت في عالم آخر بعيد كل البعد عن عالم الدرس..." ص27، ويأتي السؤال: هل يبقى الحب بعد السنوات الطويلة؟! هل يمكن أن يكون الحب الضائع في عالم الأموات هو القرار؟! والحب الحي الذي ينبض مسيرة الترك والهجر؟!

 

القصة الثالثة: "المدينة الجامعية"، يعرض فيه الحياة الكاملة للمدينة الجامعية في شكل مكثف لا يخلو من المتعة والإثارة، بل الرعب الذى يحمل معنى وعودة الأرواح للانتقام من قاتلها؛ ذلك لا يخلو من القيم الإنسانية التي تبث في نفس الشباب الذي يحمل بين يديه المجموعة القصصية، بل لا يخلو من الوصف التصويري للمكان، وهذا الذي يجعل القارئ يرى المشهد داخل خياله، فقد استطاع الكاتب: "كريم إبراهيم" رسم المشهد، وكأنه يقدم لنا عملًا سينمائيًا، بل إنني كنت مستمتعة أثناء الدخول إلى السرداب لأرى الروح التي تتعذب من أجل إرجاع حقها، وهي عرض لجريمة يتصدى لها المجتمع الآن "جريمة الاغتصاب"، وهي من الأمور التي تُحسب للكاتب؛ لتسليط الضوء على مشكلات مجتمع، ليس غافلًا الدور التشويقي لعمله الإبداعي: "... كانت المرة الأولى التي أدخل فيها مكتب أستاذ بالجامعة، ولقد صدمني المشهد، مكتب كبير، يحتل نصف الغرفة، وكتب، وأبحاث، ورسائل علمية تملأ المكان على المكتب، والأرض، وفي الدولاب العتيق عن يسار المكتب، وحتى على النافذة الكبيرة التي تحتل الحائط المقابل لها عن اليمين..." ص 45.

أمّا القصة الرابعة: "الاستنزاف،" التي استهل من خلالها الكاتب تاريخ شهداء الوطن، وهي من الرسائل الثانية التي تبث روح الوطنية في نفوس الصغار، بل إنها توضح أيضًا معنى حب الجيش والخدمة الوطنية؛ حتى إنني تمنيت لو أدركت معنى النظام المُتقن داخله والانضباط، وكيف يستطيع الإنسان خلق القيمة لنفسه من خلال تقديم دورًا يستحق من خلاله التقدير: "لم نكن نعرف بموعد تنفيذ العملية، وكل فترة يتم رفع الاستعداد للأفراد والمعدات، فيتضح أنه كان تدريبًا فقط، حتى جاءت ليلة العملية الساعة التاسعة والنصف مساء يوم 14 مارس عام 1969م، جاء هاتف من قائد اللواء الخامس بالاستعداد للعبور. في خلال عشرين دقيقة كانت السرية مجمعة في مكان العبور، وكان يبعد مسافة ستة كم، وصلنا الساعة العاشرة، والنصف عند الساتر الترابي الغربي لقناة السويس الخاص بنا، وقابلنا القادة، وهم: "اللواء صالح فضل..." ص55. ومما يحسب للمبدع استخدامه للغة التي تعبر عن الحالة التي تعيشها الشخصيات، بل الحالة الوطنية هنا تظهر الدرامية التي يعبر عنها من خلال الوصف اللغوي.

أضف إلى تلك القصص، القصة الاجتماعية النفسية الخامسة التي تعتمد على وصف المشاعر: "الحب بعد الزواج"، النهاية كانت محملة بومضات الحكمة؛ ذلك في اعتمادها على عنصر الزمان من خلال الرجوع للماضي، أما عن النهاية المفتوحة كانت فتح باب النقاش للقارئ ليتحاور مع الكاتب حول قصته ورؤيته ربما يتم زلزلة معتقداته، فالقرار صعب لكن الأهم أنك جسدت الواقع بحرفية، ومن وجهة نظري: أن الكاتب الممتاز، هو الذي يحول الواقع إلى فضاء الورق، وفي حقيقة الأمر إن أصدق المشاعر التي من الممكن أن يعيشها الإنسان هي إحساس الطفولة التي تنمو داخلنا دون النظر للزمان، ولا المكان، ولا للعوامل المحيطة التي تقضي على الحب.

أما عن السادســـة: "ذئاب الجان"، التي تحمل الإثارة والتشويق؛ لتجعل القارئ يستكمل المجموعة القصصيّة التي بين يديه بكُلّ سلاسة، غير مجبر على استكمالها، بل يستكملها برغبة وإمتاع.

أما القصة السابعة: "عودة أنوبيـــس"، هي القالب التاريخي المتخيّل من تاريخ مصر الفرعونية، مقدم إلى القارئ محملًا برسائل متعددة؛ ليحبب القراء في تاريخ بلادهم، ويساعد على تفتيح أفق غير المصريين للاطلاع على تاريخ غيرهم من الحضارات؛ لذلك أفضل مصطلح "التخيّل التاريخي" على مصطلح "الرواية التاريخية": "استيقظت (بايا) ونظرت حولها نظرات يملأها الخوف مع الدهشة، فما رأته في منامها لم يسبق لها أن شاهدت شيء مثله من قبل، نعم هي دائما ما ترى أحلام عجيبة تتسبب في ضحك صديقاتها عندما ترويها لهم، وتتسبب في خوف أمها أحيانا أخرى حتى أنها قررت زيارة الكاهن ليباركها، ويصرف عنها روح الشر التي تأتيها في المنام، ولكن هذا الحلم مختلف، إن ملامحه واضحة، ومعانيه مفسرة لكن لماذا الآن؟ لماذا بعد أن قررت أمها زيارة الكاهن يأتي الحلم بهذا الوضوح؟...." ص 83.

وخلال القصة الثامنة: (كورونا): يعرض للوباء الذى هاجم العالم كله، فالكاتب لم ينسلخ عن قضايا العالم، لكنه أعطانا درسًا من خلال قصته أن الوباء الحقيقي ألا يكون الإنسان إنسانًا يعطف ويرحم أخيه في الحياة؛ لذلك كان عنوان قصته الفرعي (الوباء ألا نكون بشرًا)، بل يمكننا أن نقول: إن القصة محاولة تأريخ موجز لجائحة كورونا.

والقصة التاسعة: (النداهة)، تعرض للجشع والطمع الذي يجعل الدم مثل الماء بين الأخوة بل الأعداء، وكيف تعرض المرأة للتعنيف في المجتمعات التي لا تطبق شرع الله؛ ومع ذلك لا تخلو القصة من الإثارة والتشويق الفانتازي: "بدأت الحكاية بالطمع، والجشع حتى خلقت من الملاك كائنًا بشعًا..

كان عبد الصمد أخ وحيد لست بنات، كان هو أوسطهم؛ ولأننا في الصعيد لا يهم ما ترتيبك وسط إخوتك، بل المهم أن تكون ذكرًا، وعندما تكون الولد الوحيد، فهذا يعني أنك منذ نعومة أظافرك ستكون سيد البيت والآمر الناهي..." هنا يوضح مدى تفخيم الذكورة ليجعل القارئ يفرق بينها وبين الرجولة، وأن المجتمع أحيانا يكون القاتل للقيم والحقوق عندم يكون تسليط قوة شخص على شخص آخر، وتلك من الأمور التي تُحسب للقارئ.

أما في القصة العاشرة: يعرض للعوالم التي يستطيع أن يملك فيها الإنسان قدرات خارقة، كسماع الإنسان لصوت الهواء، أو التكلم مع الحيوان تلك الملكات من "إرث سليمان"، وهي قدرة المبدع على الرسم بخياله لوحة فنية تجذب القارئ لعالمه.

أما القصة الحادية عشرة: "القط الحارس"، رغم طابعها الفانتازي الدرامي، إلا أنها لا تخلو من القيم الدينية، فالكاتب اعتمد على الموروث الديني في نسج خياله، ورسم شخصياته.

"...فُتح الباب ببطء لتظهر عجوز ذات شعر أشعث، وأسنان بارزة كأنياب النمر، وبشرة مجعدة متهدلة تقترب من الفتاة النائمة، كالملائكة حتى يشعر بها القط، فيموء مواءً مفزعًا تستيقظ على إثره الفتاة؛ لتجد وجه العجوز شبه ملاصق لوجهها، وهي تصرخ بصوت يشبه الرعد قائلة: ألم أحذرك من هذا القط ؟..." ص 125.

وخاتمته مسك في قصة: "ليلة في قبر أبي"، التي توضح معنى الفقد وألم الحنين لمن غادرونا بأجسادهم، لكن حبل الدعاء لا ينقطع، موضحًا الحكمة من زيارة المقابر. بعد الانتهاء من المجموعة نطرح سؤالًا، كالذي طرحه الكاتب على القراء في نهاية مجموعته: ما الطبيعية التي يريد أن يرسلها العمل الأدبي الذي بين أيدينا؟ ما القيمة الجوهرية التي يقدمها العمل؛ لذلك يستوجب أن يجيب العمل عن سؤالين عما يدور داخل عقل الناقد/القارئ لا يختزل العمل الإجابة لنفسه، ففي حقيقة الأمر أن المجموعة القصصية حملتني من الشرق إلى الغرب، واستطاعت استفزاز القيم الإنسانية التي بداخلي، بل إنها جعلتني أدقق النظر في مدى أهمية القصة القصيرة، فإنها وسيلة من وسائل جذب القارئ المبتدئ لعالم الرواية، بل تجعله يبحث عن فكرة كل قصة ليجدها في عملٍ ضخم يجعله مهد قرأته، أما عن الكاتب فاستطاع في كل قصة نسج خياله ولغته ليعطينا الصورة السينمائية من خلال اللغة الدرامية، في حقيقة الأمر "كريم إبراهيم"، الكاتب السكندري مواليد عام 1982م، أثرت جمال مدينته وسحرها على إبداعه الفني، ففي النهاية سأختم المقالة بمقولتي المُقربة لقلبي "أهم من فكرة الرواية أو القصة القصيرة الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ، وللمجتمع، وللعالم، أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمها الإبداع الأدبي". وفي حقيقة الأمر إن المجموعة القصصيّة للكاتب "كريم إبراهيم"، الصادرة عن "ببلومانيا"، التي تُعدُّ المجموعة مكسبًا لها، بل أهلًا لها، فالمجموعة القصصيّة عملٌ إبداعيٌ يستحق القراءة لتأثيرها في الذات والعالم.