الأربعاء 28 فبراير 2024
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات

هل أخطأت المقاومة؟

السبت 25/نوفمبر/2023 - 03:29 م

أكتب مقالي هذا بعد ساعات من بدء هدنة إنسانية لأربعة أيام قابلة للتمديد في قطاع غزة بوساطة مصرية وقطرية ضمن صفقة لتبادل عدد من الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، وخروج أهالي القطاع من أماكن نزوحهم لتفقد منازلهم المدمرة والاطمئنان على جرحاهم، ودفن موتاهم الذين ظلوا تحت الركام لأيام أو داخل المستشفيات. 

من يعلم طبيعة هذا الكيان المحتل يعي جيدا أنه لا يجلس للتفاوض أبدا وهو منتصر أو يشعر بإمكانية ذلك، ولم يكن هذا ليحدث أبدا، كما أعلن الاحتلال بنفسه ضمنيا قبل افراغ قطاع غزة من كل سكانه إما بإبادتهم بشكل كامل، أو تهجيرهم إلى سيناء ضمن خطة يتم الإعداد والتنسيق لها منذ سنوات، وتسويته بالأرض بشكل كامل، لولا صمود شعبها الأسطوري ورفضهم القاطع لترك منازلهم حتى لو دفنوا تحت ركامها، ومقاومتها الباسلة التي أبدت شجاعة ملهمة تقول بأن المقاتل الشجاع صاحب الحق، والقضية أهم من كل آلة الحرب مهما كانت قوتها التدميرية. 

ورغم حجم الدمار الهائل وغير المسبوق، وآلاف الشهداء والجرحى، إلا أن كسر عدونا التاريخي، ورفع الحالة المعنوية لكل حر في الأمة العربية والإسلامية بعد سنوات من الإحباط واليأس، وشبه الموت لقضيتنا الأولى كأمة، وفضح دولة الاحتلال أمام العالم كله وإظهار وجهها القبيح وإجرامها وانعدام أخلاقها، وبغضها في قلوب أحراره لدرجة أننا رأينا الملايين يخرجون في كافة العواصم الغربية ويتحدون قوانين حظر التظاهر والتضامن مع الشعب الفلسطيني، وكذلك كشف المتخاذلين من بيننا. 

كل ذلك لمن يعي لهو نصر عظيم لم نكن لنعيشه لولا يوم العزة والكرامة في السابع من أكتوبر لعام 2023، عندما وجهت المقاومة ضربة قاتلة للعدو في عقر داره لم تحدث على مدى تاريخه، وأخذ جنوده وضباطه كأسرى من داخل حصونهم العسكرية وأحثت شرخا كبيرا في بنيته السياسية والاجتماعية ربما يكون بداية لانهياره فعليا ولو بعد حين، ولن يكون ما قبل السابع من أكتوبر كسابقه في إسرائيل أبدا، وقد أدرك أغلب مواطنيها أن أمانهم في هذه الأرض وهم كانوا يعيشونه، ولم يعد مضمونا رغم كل ما فعلته دولة الاحتلال لأكثر من 70 عاما. 

لم أكن أتخيل أنني احتاج لكتابة مقال كهذا أناقش فيه فكرة تقييم ما قامت به المقاومة الفلسطينية، بقيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، في يوم لم نشهده منذ انتصار السادس من أكتوبر العظيم عام 1979 حيث تلقى جيش الاحتلال صفعة كبيرة، هدمت أسطورته التي تثبت كل الأحداث أنها وهمية، وأنه أكثر هشاشة وضعفا مما يتخيل كثيرون، ولولا الدعم الأمريكي والأوروبي غير المحدود، لما كان هناك شيء يسمى إسرائيل، بأيدي مقاتلي المقاومة وحدهم، وما شاهدناه جميعا ورآه العالم على الأرض، والصور التي وثقتها الفصائل لعمليات استهداف آليات وجنود هذا الاحتلال من المسافة صفر رغم فارق القوة الهائل لخير دليل. 

ربما لا يتابع هؤلاء الذين ينتقدون المقاومة الأحداث في فلسطين المحتلة منذ سنوات، وتدنيس المسجد الأقصى والاعتداءات المستمرة عليه، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لدى ما يقارب ملياري مسلم، وأيضا الانتهاكات والاعتداءات الدائمة من المستوطنين الصهاينة على أصحاب الأرض في الضفة الغربية واعتقال الآلاف منهم في سجون الاحتلال بالإضافة إلى قتل كثيرين بشكل دائم، إضافة إلى حصار خانق منذ 17 عاما على قطاع غزة، وقتل بطيء لما يقارب 2 مليون إنسان أغلبهم تم تهجيرهم وإجبارهم على النزوح من الضفة لغزة وترك منازلهم قصرا، فاختار هؤلاء إراحة أنفسهم، وقرروا تخدير ضمائرهم بإلقاء اللوم على المقاومة، بحجة أن قلوبهم تتفطر لسقوط آلاف الشهداء  الجرحى، وأنه ليس من العقل أن يحاول شخص ضعيف المطالبة بحقه حتى ولو انتهكت كرامته واستبيح عرضه ورأى أن موته مسألة وقت من الأساس. 

منطق جبان متخاذل لا يمكن استيعابه أو الموافقة عليه واعتباره وجهة نظر يمكن حتى قبولها في إطار الرأي والرأي الآخر، فهناك أمور مفصلية لا توجد فيها إلا رؤية واحد ووجه واحد، والقضية الفلسطينية ومقاومة المحتل الصهيوني المجرم شرعا فرض كفاية يرتقي إلى الفرض العين على كل مسلم كل بما يقدر عليه، ولو بالكلمة التي هي نوع من الجهاد، وإنسانيا لا يمكن أن يلام صاحب حق على مطالبته به أبدا بأي حجة أو دافع، لأن ذلك يعد نصرة للظالم وإعانة له ومشاركته في إجرامه، وما هو إلا تكرار لروايته بطريقة غير مباشرة.

ومن المؤسف أن يخرج ذلك من بيننا، في الوقت الذي سمعنا فيه الأمين العام للأمم المتحدة خلال لحظة صدق مع النفس يقول أن أحداث السابع من أكتوبر لم تأتي من فراغ، وأن حركة حماس أوجدها الاحتلال وليس العكس ولولاه ما كانت. 

فكان من الأولى لمن يختار فكرة الخنوع تلك أن يحاول فهم المشهد جيدا، وأن ما حدث خفف الضغط الرهيب على مصر لقبول فكرة تهجير سكان غزة لسيناء، ومن ثم تصفية القضية نهائيا وضياع فلسطين للأبد وهدم المسجد الأقصى، كما أوجد فرصة لإحباط ذلك المخطط وخلق حالة اصطفاف شعبي مع القيادة السياسية لمواجهته، وإن لم يكن يعي كل ذلك وغيره فليصمت نهائيا.

تابع مواقعنا