عبير عبدالستار تكتب: القتل باسم الله فى محكمة الأسرة

بخطوات ثقيلة و حقيبة ذكريات مؤلمة.. وجسد مريض شاخ قبل أوانه.. دخلت محكمة الأسرة.. كانت تظن أنها الوحيدة التي تريد الخلاص.. لم تكن تدرى أن آلاف من النساء سبقنها إلى المحاكم وهناك آلاف أخريات فى انتظار القرار الصعب بإنهاء حياتهن الزوجية داخل هذا المكان.

سعيدة.. هذا اسمها..  لكنها لم يكن لها حظ من اسمها.. فالسعادة لم تدخل قلبها ولا حياتها مرة واحدة..

جلست تنتظر وصول المحامى.. فاليوم النطق بالحكم فى دعوى الخلع التى أقامتها منذ شهور ضد زوجها.. عادت ذاكرتها إلى الوراء سنين طويلة عاشتها فى بيت يخلو من الحب.. مع أم ضعيفة لا تقوى على الاعتراض.. وأب قاس لم يعرف وجهه الابتسامة.. لم يأخذها فى حضنه مرة واحدة ..لم يتحدث معها إلا بكل قسوة..

الأب الذى كان عضوا مهما فى جماعة إسلامية وتنقل بين أكثر من جماعة وتنظيم حتى استقر فى أحد أخطر التنظيمات..

كانت تسمع كلمة الجهاد أكثر ما تسمع كلمة الحب.. كانت تسمع كلمة الكفر أكثر من كلمة الإيمان.. كانت تسمع كلمة الأمير شوقى تتردد كثيرا داخل منزلهم الكائن فى قرية كحك بالفيوم..

كبرت قليلا وعرفت أن الأب والعم والعديد من أفراد العائلة أعضاء فى جماعة الشوقيين..  ذلك التنظيم الذى كونه شوقى الشيخ بعد انفصاله عن الجماعة الإسلامية وتكفيره لعمر عبد الرحمن أمير الجماعة..

كانت فكرة وشريعة التنظيم تقوم على تكفير المجتمع كله وأى جماعة إسلامية أخرى.. وكانت تحل أموال الناس..

كانت طفلة لم تتجاوز السابعة ترتدى الخمار فوق الجلابية.. ممنوع خروجها ولعبها في شوارع القرية مثل باقى الأطفال.. تقضى اليوم مع أمها؛ فالمدارس حرام لأنها تتبع نظاما كافرا.. تتذكر جلسات عمها وأبيها لتحضير السلاح للجماعة..

تتذكر وهى فى عمر العشر سنوات عندما استيقظت على صوت صراخ وعويل وأصوات رصاص تنهال على منازل القرية.  فبعد أن كثرت الحوادث الإرهابية التى يقوم بها تنظيم الشوقيين وبعد حوادث اقتحام محلات الذهب وقتل أصحابها.. قرر الأمن اقتحام القرية.. وبعد ساعات طويلة قتل فيها الأمير شوقى وبعض أعضاء التنظيم وفرار البعض.. كان أبوها من ضمن القتلة وعمها من ضمن الفارين..

خرجت مع أمها من القرية إلى إحدى قرى أسيوط.. وهناك تزوج العم من أرملة شقيقه..

سنوات وسنوات قضتها مع الأم التى لم تنجب غيرها حتى بعد زواجها من شقيق زوجها الذى مات فى السجن بعد القبض عليه بسنوات.. وكانت وصيته أن يتزوج ابنه من سعيدة.. سعيدة التى لم تستطع الرفض وتزوجت ابن العم الذى لم يختلف كثيرا عن أبيها وعمها.. نفس القسوة.. نفس العنف.. ونفس الأفكار.. ولكن اختلف اسم التنظيم فقط.. سعيدة لم تكن مهتمة بالاسم.. فالأفكار واحدة والعنف واحد والقتل باسم الله واحد..

لم تقو على الاعتراض.. كانت مجرد امرأة من واجبها طاعة زوجها وإلا فهى ملعونة من كل ملائكة الله..

أنجبت طفلين.. وكان زوجها يرغب فى مزيد من الأطفال.. لكنها قررت عدم الإنجاب مره أخرى دون أن يعلم زوجها.. سنوات قضتها وهى تعيسة.. تريد الخلاص.. ولكن كيف وهى لا تملك حتى إطعام نفسها.. وأين تذهب بعد وفاة الأم.. كانت تريد الخلاص بطفليها.. فكفى إرهابا وقتلا.. لا تريد جيلا جديدا من الإرهابيين.. دعت الله كثيرا أن تنجو مع طفليها.. كانت تتمنى الموت لزوجها.. لم تسمع منه كلمة ترطب جوفها يوما ما.. كلمة تشعرها أنها امرأة.. ملامحها بشهادة جميع من يراها جميلة رقيقة..  ولكن الحزن أكلها وتركها جسدا دون روح.

جاءتها الفرصة حين قبض على الزوج بعد اشتراكه فى حرق كنيسه فى المنيا.. ولكن قبض عليها هى ايضا.. وتم التحقيق معها أياما..

خرجت وهى تكره أباها وعمها وزوجها أكثر من أى وقت مضى.. أخدت طفليها دون أن تدرى إلى أين تذهب.. تركت خلفها ماضيا تفوح منه رائحة الدم وصوت الرصاص..

دقائق وينتهى كل هذا.. سوف أبدأ من جديد.. سوف أعلم أولادي الحب باسم الله..

لم تفق إلا وصوت بجانبها ينطق بجملة تمنت كثيرا سماعها.. القاضي حكم بالطلاق خلعا..

انا طالق.. نعم.. أنا مطلقة الآن.. لم أطلق من زوجى فحسب..  بل طالق من القتل والإرهاب والكفر .. طالق من كل أفكار الظلام التى عشت فيها..

وبصوت سمعه كل المحطين قالت: القتل باسم الشيطان.. لا يوجد قتل باسم الله.. لا يوجد قتل باسم الله..–

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق