الاقتصاد البنفسجي
الاقتصاد البنفسجي
لم يعد الاقتصاد الحديث قائمًا فقط على معادلات العرض والطلب أو مؤشرات النمو والتضخم، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بسلوك الإنسان وقيمه ونمط تفكيره، وفي هذا السياق، ظهر مفهوم الاقتصاد البنفسجي كأحد الاتجاهات الاقتصادية المعاصرة التي تسعى إلى دمج البعد الثقافي داخل النشاط الاقتصادي، بوصفه عنصرًا مؤثرًا في خلق القيمة وتحقيق الاستدامة.
ما هو الاقتصاد البنفسجي؟
الاقتصاد البنفسجي هو نموذج اقتصادي يدمج القيمة الثقافية في العملية الاقتصادية، بحيث لا تُعد الثقافة عنصرًا تكميليًا، بل مكوّنًا أساسيًا يؤثر في الإنتاج والاستهلاك. وهو يتخطى مفهوم “اقتصاد الثقافة” إلى اعتبار الثقافة قوة مؤثرة في تحديد سلوك المستهلكين، وصياغة الطلب، وتوجيه الاستثمار.
يركز الاقتصاد البنفسجي على كيفية تحويل الثقافة والتراث إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار، سواء عبر السياحة الثقافية، الصناعات الإبداعية، الفنون، أو المشروعات المحلية القائمة على التراث، وقد أثبتت الأبحاث أن دمج الثقافة في التخطيط الاقتصادي يعزز من الاستجابة المجتمعية ويخلق بيئة اقتصادية أكثر توازنًا واستدامة
يندرج الاقتصاد البنفسجي ضمن منظومة الاقتصاد المستدام إلى جانب الاقتصاد البيئي والاقتصاد الاجتماعي، لكنه يتميز بتركيزه على تعظيم العائد الثقافي للسلع والخدمات، فالقيمة الاقتصادية لم تعد تُقاس فقط بالتكلفة والعائد المالي المباشر، بل بمدى توافق المنتج أو الخدمة مع الثقافة المحلية والهوية المجتمعية، وهو ما ينعكس في النهاية على سلوك المستهلك وقرارات الشراء.
في علم الاقتصاد السلوك ما يقرب من 70% من قرارات الشراء في الأسواق الناشئة تتأثر بعوامل غير سعرية، من بينها القيم الثقافية والانتماء والرمزية الاجتماعية. وهنا تتضح أهمية الاقتصاد البنفسجي في تفسير هذا السلوك، حيث تتحول الثقافة من عنصر غير ملموس إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.
الثقافة محرك للاقتصاد
يقوم هذا النموذج الاقتصادي على فكرة أن الثقافة تُنظم الاستجابة الاقتصادية للأفراد، فحين يشعر المستهلك أن المنتج يعكس هويته أو يحترم عاداته، تزداد درجة الثقة والولاء، وهو ما ينعكس في ارتفاع الطلب واستقرار الإيرادات، وتُظهر بيانات الأسواق أن الشركات التي تراعي الخصوصيات الثقافية تحقق معدلات نمو أعلى بنسبة تتراوح بين 15% و25% مقارنة بنظيراتها التي تعتمد نماذج موحّدة لا تراعي الفروق المجتمعية.
يسهم الاقتصاد البنفسجي في خفض مخاطر السوق، فالثقافة تعمل كعامل استقرار يقلل من تقلبات الطلب، ويحد من فشل المنتجات الجديدة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستهلاك المباشر، فتكلفة فشل منتج جديد قد تصل إلى 30% من إجمالي ميزانية الابتكار، وهو ما يمكن تقليله عند دمج البعد الثقافي في مراحل التصميم والتسويق.
ويرتبط الاقتصاد البنفسجي ارتباطًا وثيقًا بمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي لم تعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل أداة اقتصادية، فالشركات التي تستثمر في البيئة الثقافية للمجتمع الذي تعمل فيه، تحقق – وفق تقارير دولية – زيادة في القيمة السوقية قد تصل إلى 20% على المدى المتوسط، نتيجة تحسن السمعة المؤسسية وتعزيز الثقة العامة.
الاقتصاد البنفسجي في السياحة
فقطاع السياحة تمثل الثقافة المحلية ما يزيد على 40% من دوافع السفر عالميًا، بينما تعتمد الدول التي تستثمر في التراث والهوية على هذا البعد لرفع متوسط إنفاق السائح وزيادة مدة الإقامة، كذلك في قطاع الصناعات الإبداعية، تسهم المنتجات ذات الطابع الثقافي في تحقيق معدلات نمو سنوية تتجاوز 8% في بعض الأسواق.
أما في قطاع التسويق والتجارة، فقد أدى دمج البعد الثقافي إلى إعادة صياغة استراتيجيات العلامات التجارية، حيث تشير البيانات إلى أن الحملات الإعلانية المتوافقة ثقافيًا تحقق معدلات تفاعل أعلى بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالحملات العامة. وهو ما يفسر الاتجاه المتزايد نحو ما يُعرف بـ“التسويق المتكيّف ثقافيًا”.
يبرز الاقتصاد البنفسجي كذلك في سوق العمل من خلال ما يُعرف بالوظائف البنفسجية، وهي الوظائف التي تخدم البيئة الثقافية بشكل مباشر، أو المهن التي تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الثقافي في مجالات مثل الموارد البشرية، والتواصل المؤسسي، والتخطيط الحضري. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا النوع من الوظائف قد يمثل مستقبلًا ما يقرب من 10% من فرص العمل الجديدة في الاقتصادات الإبداعية خلال العقد القادم.
لا يهدف الاقتصاد البنفسجي إلى استبدال الأنماط الاقتصادية التقليدية، بل إلى إعادة توجيهها، فدمج الثقافة في الاقتصاد لا يعني التخلي عن الكفاءة أو الربحية، بل تحسينهما من خلال فهم أعمق للإنسان باعتباره محور العملية الاقتصادية، وفي عالم تتزايد فيه المنافسة، تصبح الثقافة عنصر تميز يصعب تقليده أو استنساخه.
الاقتصاد البنفسجي يمثل انتقالًا من اقتصاد يعتمد على الكم إلى اقتصاد يراهن على المعنى، ومن سوق تحكمه الأرقام فقط إلى سوق تُدار فيه القرارات وفق فهم شامل للسلوك الإنساني، وهو ما يجعله أحد النماذج الواعدة لتحقيق نمو اقتصادي أكثر استقرارًا واستدامة في المدى الطويل.



