هذه رصاصة لن ينجو منها أحد
حينما رأيتُ غلاف العمل الأحدث للكاتب السعودي عبد الله ناصر "هذه ليست رصاصة" انتابني الفضول لمعرفة كيف سيكتب ناصر الرواية؛ ناصر الذي قرأت له عمليه القصصييّن "العالق في يوم أحد" و"فن التخلّي" اللذين اتّسما كثيرًا بالاقتضاب والكلمات ذات الدلالة أكثر من الجمل الشارحة والتوضيحية فيما بدا لي أنه الــ"ستايل" المفضل له في الكتابة.
فلكل كاتب من وجهة نظري "ستايل" كتابي يقولب داخله الفكرة، كما يكون لمتدرب الرماية مثلا "ستايل" ضرب معيّن يعتاده ولا يخيب. وإذا بعبد الله ناصر في روايته الأولى لا يتخلّى عن لغته التي تؤثر الاقتضاب وجملِه التي تعتمد على خجل التلميح والمواربة أكثر من جرأة الإقرار والتصريح.
ترتبط أحداث الرواية منذ بدايتها بلوحة "الناجي" لـ رينيه ماغريت، حيثما تتوسط اللوحةَ بندقيّةٌ مستندة إلى حائط وظلُّها ممدد على الحائط أيضًا بينما تقع بقعة من الدم أسفل البندقية. ثم يحدثنا الراوي عن عدة رصاصات أطلقها أبوه ذات يومٍ بعيد فغيّرت حياة العائلة بأكملها دون أن نعرف في البداية على مَن أُطلِق الرصاص ولِمَ.
يسردُ علينا ناصر -بصوت روائي بطيء ثابت الانفعالات كصوت عجوز هدّته التجربة- حكاية الأب والبيت الهادئ ومجلس الضيوف والمسدسات التي كان يخفيها الأب بعيدًا عن أيدي أطفاله، والبندقيّة. كانت لديهم بندقيّة كالتي تقف مستندة على حائط ماغريت داخل اللوحة وربما كان ينقصها منذ البداية أن تحظى هي الأخرى ببقعة من الدم.
يصحبنا الراوي في رحلة هادئة إلى عالمه القديم وطفولته بينما يؤكد خلال الحكي أن ثمة كارثة وقعت ها هُنا فنستجيب لاسترسال الحكاية بمزيد من الحذر والاستمتاع كما هو الحال في جلسات الجدّات حين يلتفّ حولها الأحفاد يسمعون حكايات أمّنا الغولة وأبو رجل مسلوخة.. يعرف الأطفال أن الجدّة سيعلو صوتها في فقرةٍ ما؛ فيفزعون ويضحكون ويستمتعون بالحذر.
لا يفصح ناصر عن سبب الجريمة الذي نتلهّف لمعرفته إلا في الصفحة ١٢٩ من أصل ١٦٠ صفحة هي عدد صفحات الرواية كاملة، ويلخّصها سريعًا في جملة واحدة من ٨ كلمات، فقط ٨ كلمات تنبني عليها أحداث الرواية كاملة، وبعد أن ساورتنا الشكوك حول "فيّاض" البطل الذي تأخّر مبرر قيامه بمحاولة القتل -هل يكون مختلًا في النهاية؟ مجنونًا؟- يلقيها لنا ناصر بلا مبالاة في الصفحة ١٢٩ كأنه يستشرف الفضول الطاغي الذي ينتابنا ويقول "أهذا هو ما يشغلكم وتريدون معرفته؟ تفضلوا.. لكنني أعدكم أن شيئًا لن يتغيّر وستكملون معي الحكاية حتى أتوقف أنا عن الكلام".
يضع ناصر داخل الرواية لوحتين لماغريت تحملان بندقيّة صيد؛ اللوحة الأولى اسمها "مسرّات الطبيعة" تعود لسنة ١٩٣٠ وبها برواز فارغ تقف البندقيّة خارجه، وكأن هذه البندقيّة قد مكثت زمنًا تؤدي دورها داخل البرواز كصورة يشاهدها المتفرّج ثم قَرَّرَت الفرار من البرواز لتؤدي دورًا جديدًا خارجه، والصورة الأخرى هي "الناجي" تعود لسنة ١٩٥٠ تظهر فيها البندقية مستندة إلى الحائط وتحتها بقعة من الدم. ما لفتني في صورة ماغريت الثانية "الناجي" أن البندقية حين تطلق النار على هدف لا تلتصق بها دماء، إلا إذا كانت البندقية نفسها تنزف! وعلى هذا فأن بندقيّة ماغريت ما هي إلا "فيّاض" نفسه الذي أطلق الرصاصات لينجو، ولينجو أبوه رشيد ولينجو أولاده، ورغم ما به/ بالبندقية من نزف فإنهما لم يندما أبدًا ولم يفعلا أكثر من إسناد ظهريهما إلى الحائط لالتقاط الأنفاس.
"هذه ليست رصاصة" رواية تُروَى بصوتٍ هادئ عن أكثر الحوادث التي تتعرّض لها أُسرة بشاعة. رواية تؤكد ما بدأته المجموعتان القصصيتان السابقتان لعبد الله ناصر، من كونه صاحب قلم واثق بسيط محدد يطلق رصاصات قصيرة المدى لا ينجو منها أحد.



