محمد عياد.. حين تتحول الكلمة إلى سياسة عامة وصناعة وعي
ليس الإعلام عنده مهنة للظهور، ولا منصة للضجيج، ولا سباقًا مع الترند.
يرى الإعلام، في جوهره، أداة من أدوات الحكم الرشيد، وصناعة الوعي، وبناء ثقة مستدامة بين الدولة والمجتمع.
يؤمن محمد عياد أن الكلمة، حين تُدار بوعي ومسؤولية، تصبح سياسة عامة لا تقل تأثيرًا عن أي قرار اقتصادي أو تشريع رسمي، وأحد أكبر التحديات التي واجهت وتواجه مسار الإصلاح في مصر، ليس غياب الجهد ولا نقص العمل، وإنما ضعف الشرح، وندرة الفهم، وغياب التواصل الفعال.
فالحكومة في نظره لا يكفي أن تعمل، بل يجب أن تُخبر الناس: ماذا تفعل؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وما العائد عليهم؟ لأن الإصلاح الحقيقي بلا إعلام واعٍ.. إصلاح منقوص القيمة.
في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، لم تكن تجربة عياد تجربة طالب تقليدي.
عمل ودرس في الوقت نفسه، بدافع مبكر للاعتماد على النفس، وحرصًا على ألا يكون عبئًا على أسرته، هذا الاختيار كلّفه التأخر عامًا عن دفعته، لكنه كان قرارًا واعيًا بتحمل المسؤولية كاملة، دون شكوى أو تبرير.
كانت تلك اللحظة فاصلة؛ اختار فيها محمد عياد أن يبدأ حياته العملية مبكرًا، حتى وإن لم تكتمل آنذاك الرحلة الدراسية، إيمانًا بأن الزمن لا ينتظر المترددين.
مع بداياته في العمل الصحفي، أخفى عياد طبيعة عمله عن والده، وأخبره أنه يعمل في البورصة المصرية، ولم يكن ذلك خداعًا، بل تقديرًا لحساسية العمل الصحفي لدى أسرة كانت ترى له مستقبلًا دبلوماسيًا أو حكوميًا تقليديًا.
لم يكن يعلم أن هذه العبارة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر مفارقات حياته عمقًا؛ إذ شاءت الأقدار أن يعمل بالفعل في البورصة المصرية، وأصبح أحد كوادرها، في مسار مهني حقيقي، وكأن العدل الإلهي أنصف تلك “الكذبة البيضاء” التي قيلت بدافع البر.
تكوّن وعي محمد عياد داخل واحدة من أعرق المدارس الفكرية في مصر: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث تعلم كيف تُصاغ السياسات، وكيف يؤثر القرار الاقتصادي على المجتمع.
واستكمالًا لهذا المسار، حصل عياد على ماجستير إدارة الأعمال MBA، وشارك في برامج بناء قدرات داخل مصر وخارجها، من بينها برامج في واشنطن بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إضافة إلى برامج متخصصة في الصحافة المالية، وعلاقات المستثمرين، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والإعلام والسياسات العامة، ولم يكن التعليم بالنسبة له شهادة تُعلّق، بل أداة وعي تُستخدم.
بدأ صحفيًا اقتصاديًا في جريدة البورصة، حيث تعلم المهنة من جذورها، ثم انتقل إلى Daily News Egypt لاكتساب خبرة مخاطبة جمهور دولي بلغة اقتصادية دقيقة.
لاحقًا جاءت التجربة التليفزيونية، التي بلغت ذروتها خلال عمله محررًا اقتصاديًا مع الإعلامية لميس الحديدي، في واحدة من أصعب فترات الإصلاح الاقتصادي عام 2016، حين كانت الكلمة قادرة إما على الطمأنة أو الإرباك.
بعدها انتقل عياد إلى الإعلام المؤسسي داخل البورصة المصرية، ثم الهيئة العامة للرقابة المالية، في مسار قائم على التراكم المهني لا القفز السريع، كما شارك في تقديم خدمات إعلامية واستشارية للبورصة السلعية المصرية وقت إطلاقها، والمساهمة في تعريف المجتمع بدورها.
شارك محمد عياد في إطلاق حملات قومية للتوعية بالتأمين، وأخرى للتوعية بالبورصة وسوق المال، حملات خاطبت الناس بلغتهم اليومية، وربطت المفاهيم المالية بحياتهم الواقعية، وكان لها أثر ملموس على الوعي العام والاقتصاد.
ومن أبرز المحطات، المشاركة في إطلاق تليفزيون الهيئة العامة للرقابة المالية، كمنصة لنقل المعرفة المالية من المؤسسات إلى المواطن.
امتد تأثير هذه التجربة إلى المستويين الإقليمي والدولي، من خلال التعاون مع مؤسسات مثل المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية IOSCO، واتحاد أسواق المال العربية، وغيرها، بما ساهم في تقديم السوق المصرية بصورة أكثر مهنية واتزانًا على الساحة الدولية.
لا يرى عياد نفسه دائمًا نتاج جهد فردي.
ففي المقدمة تقف أسرته: والده ووالدته، ثم أخواته، وزوجته، وأبنائه، بوصفهم السند والمعنى والدافع الحقيقي.
ومهنيًا، لا ينسى فضل شخصيات كان لها أثر بالغ في تشكيل وعيه، من بينهم الدكتور محمد فريد، والدكتور محمود محيي الدين، ولميس الحديدي، والصحفي الاقتصادي سعد زغلول.


