وهم الاستقرار
وهم الاستقرار
عندما تظن الشركات أنها تسير على الطريق يظهر مصطلح الاستقرار كهدفٍ يسعى إليه كل قائد شركة.. لكن الخطر الحقيقي يكمن عندما يتحول هذا الاستقرار إلى وهمٍ يُبهر الإدارة، فيظنون أنهم يسيرون في الاتجاه الصحيح بينما هم في الحقيقة يتجهون نحو الهاوية.. هذا "وهم الاستقرار" هو المرض الخفي الذي ينهش كيان الشركات من الداخل، ويجعلها تفقد البوصلة في بحر التغيير المتلاطم.
جوهر الوهم.. الراحة في منطقة الخطر
يبدأ الوهم عندما تنجح الشركة في تحقيق أرباح مستمرة، أو تحتل موقعًا قياديًا في السوق هنا تنساب الراحة إلى ثقافة المؤسسة، ويتحول النجاح السابق إلى مصدرٍ للثقة المفرطة.. الإدارة تبدأ في الاعتقاد بأن ما نجح أمس سينجح غدًا، فتتجاهل إشارات التغيير في أذواق العملاء، أو التطورات التكنولوجية، أو تحولات المنافسة.. الأسوأ أن بعض الشركات تطور "مناعة" ضد النقد الخارجي والداخلي، معتبرة أي تنبيه بوجود مشكلة هو مجرد تشاؤم غير مبرر.
دروس من سقطوا من القمة بسبب وهم الاستقرار
لعلّ كوداك خير مثال على هذا الوهم لسنوات، كانت تحتكر سوق التصوير الفوتوغرافي، لكنها تجاهلت التحول الرقمي لأنها كانت أسيرة نجاحها السابق في أفلام التصوير.. النتيجة؟ إفلاس شركة كانت رمزًا للابتكار.
كذلك شركة الأفلام التي سخرت من نموذج مواقع بيع الأفلام على المواقع الإلكترونية، معتبرة إياه ترفًا غير عملي، لتكتشف لاحقًا أن الزمن تجاوزها.
أعراض وهم الاستقرار
كيف تكتشف الشركة أنها وقعت في هذا الفخ؟ أولى العلامات غياب النقد البناء داخل الاجتماعات، وتحولها إلى طقوس تأكيدية.
ثانيًا، الإفراط في تحليل البيانات المؤيدة للوضع الحالي وتجاهل البيانات المضادة.
ثالثًا، الخوف من التجارب الجريئة واعتبار الابتكار مجازفة غير محسوبة.
رابعًا، تركيز الجهود على المنافسة الحالية بدلًا من استشراف المستقبل.
الخروج من الدائرة المفرغة
الاستقرار الحقيقي ليس الجمود، بل القدرة على التكيف مع الضمان.. الشركات الرشيدة تبني ثقافة organizational agility حيث يكون التغيير جزءًا من الحمض النووي للمؤسسة.. تعلم هذه الشركات أن النموذج التشغيلي الحالي قابل للانقراض، وتخصص موارد للبحث عن نماذج بديلة حتى قبل أن تظهر الحاجة الملحة لها.
كما أنها تشجع المنافسة الداخلية للأفكار، وتستمع للأصوات الناقدة، وتعتبر الفشل في تجارب صغيرة مصدرًا للتعلم وليس للعقاب.. هذه الشركات تفهم أن المؤشرات المالية وحدها لا تكفي، بل تبحث عن مؤشرات استباقية مثل رضا العملاء، ومعدل تبني التقنيات الجديدة، وروح الابتكار لدى الموظفين.
الاستقرار في الحركة
وهم الاستقرار ثمن تدفعه الشركات عندما تخلط بين النجاح المستدام والنموذج الثابت في عصر الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، لم يعد هناك مكان للجمود.. الشركات التي تظن أنها تسير على الطريق الصحيح لمجرد أنها تسير على نفس الطريق القديم، هي كمن يسرع نحو جرفٍ هارٍ وهو يغني.
الاستقرار الحقيقي هو ذلك الذي يأتي من القدرة على التحول، والمرونة في المواجهة، والتواضع في التعلم.. فقط عندما تدرك الشركات أن الطريق الصحيح قد يكون طريقًا مختلفًا تمامًا عما سلكته أمس، تستطيع أن تحول وهم الاستقرار إلى استقرار حقيقي قائم على النمو والتطور الدائم.


