نور المالكي.. عودة باركها خامنئي وعطلها ترامب
في العراق تحسم المحاصصة العراقية الطائفية الرئاسات الثلاث؛ رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان، فالأولى للكرد والثانية للشيعة والأخيرة للمسلمين السنة، وبين الثلاث تعتبر رئاسة الوزراء هي المنصب الأهم، حيث يمتلك رئيس الوزراء السلطة التنفيذية الفعلية، يعين الوزراء، ويضع السياسات العامة للدولة ويقود الأمن والجيش بينما رئاسة الجمهورية لا تحمل إلا مدلولات رمزية ورئاسة البرلمان لا تختلف عن أي رئاسة برلمانية أخرى في العالم العربي في مقاربة واضحة مع نموذج الحكم في لبنان.
كان إياد علاوي رئيس الوزراء الأول للعراق في الفترة التي تلت الغزو الأمريكي مباشرة فيما يعرف برئيس وزراء الفترة الانتقالية ثم إبراهيم الجعفري والرجل الأكثر جدلًا نوري المالكي عندما برز بصورة الشيعي الإسلامي الصارم القادر على الجمع بين الفصائل المتناحرة في حكومة وحدة وطنية، وفي مفارقة نادرة اعتبر إيران المالكي الرجل المناسب لها وفي ذات صرح الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش أن المالكي هو الرجل المناسب للعراق "زعيم قوي ويريد إنجاح عراق حر وديمقراطي أنا أقدر شجاعته إنه يتحلى بالشجاعة".
أصبح بالفعل المالكي هو الرجل الأقوى في العراق وأطلق قواه الأمنية باطشًا بكل خصومه السياسيين وفتح السجون ليدخل آلاف المعتقلين إلى زنازينها وعلى وجه الخصوص أنصار مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري في العراق وقائد جيش المهدي، ولم تخلو السنوات التي تلت ذلك من المناكفات بين الرجلين، ففي العراق من يحب مقتدى يكره المالكي ومن يميل إلى المالكي لا يبغض أحدًا بقدر ما يبغض مقتدى.
وفي 2010 عندما حانت لحظة الاختيار لرئاسة الوزراء ورغم فوز إياد علاوي بالأغلبية اتفقت واشنطن وطهران على أن يكون نور المالكي هو الخيار الأول وفعلوها أيضًا ويعتبر مراقبون السنوات التي حكم فيها المالكي بعد الألفين وعشرة بأنها الأسوء في تاريخ العراق، فوصلت قيمة الاختلاس من المال العام أكثر من 350 مليار دولار من عائدات النفط وفي نهاية عام 2014 قدمت لجان تحقيق برلمانية تقريرا يوصي بسجن المالكي وإحالته للقضاء وانتهت ولاية الرجل وداعش يسيطر على أجزاء واسعة من أراضي العراق.
ولكن الرجل يعود الآن مرة أخرى كرئيس وزراء محتمل للعراق ولكن هذه المرة باختلاف بين الدولتين اللتين لطالما توافقتا عليه واشنطن وطهرن.. بارك خامنئي وتوعد ترامب.
في البداية كيف أصبح المالكي المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء.. اختار تحالف الإطار التنسيقي المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من إيران ويشكّل أكبر كتلة في البرلمان العراقي أن يكون المالكي مرشحة للمنصب.
يضم الإطار تحالف الفتح (يضم منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وغيرهما) وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وحركة عطاء بقيادة فالح الفياض وكتائب حزب الله، والنجباء.
مباركة خامنئي
قبل التوافق على المالكي في الإطار، كشفت صحف مقربة من إيران أن قادة الشيعة في العراق تلقوا رسالة من المرشد الإيراني، علي خامنئي، تدعو إلى التوافق على مرشح رئاسة الوزراء من دون دعم اسم محدّد، وذلك بعد أن بعث بعض زعماء «الإطار» برسالة أولى طلبوا فيها التدخّل لصالح مرشح تسوية.
لكن مصادر أكدت أن خامنئي بارك، في الرسالة التي حملها قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، ترشيح المالكي.
مقربون من تحالف المالكي قالوا "هذه المباركة لم تطرح كأمر مباشر أو توجيه حاسم، لكنها حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن القيادة الإيرانية ترى في المالكي شخصية قادرة على التعامل مع مرحلة إقليمية مضطربة، تتراجع فيها قدرة طهران على إدارة ملفاتها الخارجية بالأدوات التقليدية، وتزداد فيها الضغوط الأمريكية الرامية إلى تفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بالفصائل المسلحة".
ترامب يتوعد
ولكن مع مساء السابع والعشرين من يناير نشر ترامب تدوينة أربكت كل الحسابات "سمعت أن الدولة العظيمة العراق قد تتخذ خيارا سيئا للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة، غرق البلد في الفقر والفوضى العارمة، ويجب ألا يتكرر ذلك.. إذا تم انتخابه، فإن الولايات المتحدة لن تقدم مستقبلا أي مساعدة للعراق.. العراق، من دون مساعدة الولايات المتحدة، لن يكون لديه أي فرصة للنجاح".
المالكي يرد
رد المالكي على ترامب فكتب على تويتر "نرفض رفضًا قاطعًا التدخل الأمريكي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكًا لسيادته ومخالفًا للنظام الديمقراطي في العراق بعد العام 2003، وتعديًا على قرار الإطار التنسيقي لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء".
وأضاف: "لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد.. سوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".
كيف استقبل العراقيون الأمر؟
دعا ائتلاف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، اليوم الأربعاء، إلى معالجة أزمة رئاسة الحكومة بـ"عقلانية ومسؤولية".
وذكر الائتلاف في بيان تلقته أنه يؤكد "تمسّكه بالقرار الوطني العراقي، بما يضمن مصالح البلد والمواطنين، وبما يعزز التفاف جميع أطياف الشعب حوله".
بينما حمل حزب الدعوة، اليوم الأربعاء، الإطار التنسيقي مسؤولية تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما أكد أن الكتلة الأكبر حرة في اختيار مرشحها وقال "استخدمت الكتلة البرلمانية الأكبر، وبوصف ذلك استحقاقا دستوريا وديمقراطيا لها، حقها القانوني والسياسي في ترشيح من تراه مناسبا لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة، وقد كان المؤمل المضي بالسياق لإنجاز هذا الاستحقاق الدستوري يوم الثلاثاء، لولا تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية".
وأضاف، أن "نوري المالكي شخصية سياسية وطنية، وهو أحد أعمدة العملية السياسية، وقد تحمل مسؤوليات ثقيلة تحت وطأة الظروف القاسية التي مر بها العراق بعد عام 2003، ففرض الأمن والاستقرار وأعاد للدولة سلطتها، من دون أن يستند إلى أجندة سياسية أو أيديولجية ضيقة، في الوقت الذي كان فيه الإرهابيون يصولون ويجولون في شوارع بغداد وبقية المدن العراقية، حيث كانت تشهد يوميا سقوط مئات الضحايا الأبرياء، وتفجير عشرات السيارات وتنفيذ الاغتيالات.. وغيرها من الأعمال الإجرامية".


