إيران لا تنكسر إلا داخليًا.. خطة أمريكا لإسقاط نظام المرشد دون غزو عسكري
الحروب الكبرى لا تحسم من الجو، تلك قاعدة عسكرية تناقلتها وأكدتها الكثير من التقارير والتحليلات العسكرية على مدار العقود والسنوات الماضية، مؤكدة أنه لإسقاط نظام أو القضاء على جيش يستلزم ذلك تواجد بري (بأي شكل كان)، إلا أن تطبيق الغزو العسكري الأمريكي بشكله التقليدي كما خدث في العراق على الأراضي الإيرانية يمثل انتحارًا عسكريًا ولوجستيًا لا تستطيع واشنطن تحمل كلفته البشرية والمالية.
إيران لا تسقط بجيوش العِدا
فما إن نظرنا إلى الخريطة الإيرانية الطبوغرافية سيتبين للقاصي والداني أن الجبال الإيرانية هي حائط الصد المنيع الأول أمام أي غزو بري لإيران من الخارج، ما يصعب على أمريكا إمكانية تكرار سيناريو العراق الجار في بلاد فارس لإسقاط نظام ولاية الفقيه عسكريًا من الخارج، لكن (وهذا أيضًا هام) بالعودة إلى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الملطخ بدماء الكثير من الأنظمة، يبرز مثال من الجار أيضًا ولكنه بعيدًا عن الحدود بعض الشئ، وأعني بذلك إسقاط أمريكا لحكم طالبان في أفغانستان عام 2001 بأيدي المعارضة الأفغانسية من الداخل، بتسليحهم وتدعيمهم استخباريًا ولوجستيًا وسياسيًا من الخارج أيضًا بتوفير غطاء دولي لهم.

كيف تسقط إيران؟
لكن كيف يمكن تطبيق ذلك في إيران القابعة تحت عباءة المرشد الابن (مجتبى خامنئي) القادم محملًا بآمال الثأر لابنه وأبيه وأمه وأخته، ولبلده أيضًا، والمحاط بترسانة صاروخية وبشرية ممثلة في الحرس الثوري وقوات الباسيج، والجيش النظامي، إضافة إلى أذرعه الخارجية.
ولفهم ذلك علينا النظر إلى التكوين الديموغرافي لإيران، فلكل قوة نقطة ضعف لإسقاطها، وإيران ولاية الفقيه، تعرف بأن تكوينها الديمغرافي أشد ثغراتها العسكرية والسياسية قوة، إذ يمكن لواشنطن صنع جيش داخلي عبر الأقليات الإيرانية، وتدعيمها عسكريًا ولوجستيًا وصولا لاسقاط النظاك داخليًا بأيدي أبناء جلدته، فقتل المرشد لم ولن يسقط النظام، ولكن النظام يسقط بتدمير مؤسساته القائم عليها، وأبرزها قوات الحرس الثوري والباسيج، والجيش النظامي الإيراني.
الأكراد عدو ينتظر الإشارة
فإذا ما نظرنا إلى التركيبة البشرية لإيران، نرى الكثير من الأقليات التي يعتقد أن تلجأ إليها أمريكا لإسقاط النظام، أبرزها وأهما هم الأكراد المتواجدون في الحدود الشمالية الغربية للبلاد، والمتاخمة لكل من تركيا والعراق، إذ أشارت التقارير الاستخبارية منذ بداية الحرب لوجود تحركات كريدة غير مألوفة للفصائل الكريدة المعارضة في إيران، قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق تمهيدًا لتوغل بري مرتقب، أو استعدادًا لتفعيل ما يمكن وصفه بانه خلايا كردية نائمة في المدن الغربية الإيرانية مثل سندنج ومهاباد.
تبع تلك التحركات تدفقات عسكرية نوعية ممثلة في أسلحة متوسطة وطائرات مسيرة، يمكن استخدامها كأرس حربة لإنهاك قوات الحرس الثوري الإيراني من البوابة الغربية، وجرها في حروب عصابات ممتدة في جبال زاجروس الوعرة (جبال زاجروس أهم حصن طبيعي تتمتع به إيران لحماتيها من الجانب الغربي إذ لا يمكن غزوها بالجيش التقليدية من الغرب لصعوبة تضاريس سلسلة جبال زاجروس على الحدود التركية والعراقية أيضًا).

الأحواز العرب في انتظار الإستقلال
وبالتحرك إلى الجنوب نصل إلى إقلم الأحواز (الخاصرة الرخوة في عباءة المرشد) حيث القوة الضاربة النفطية لإيران، إذ يوجد في الإقليم أكثر من 80% من الاحتياطات النفطية الإيرانية، ومعظم حقول الغاز، إلا أن الأغلبية العربية في الإقليم والتي كثيرًا ما طالبت بالاإنفصال عن إيران، لا تتلمس شيئًا من رخاء أرضه، إذ تشير التقارير إلى أن مواطني الإقليم يعيشون لعقود في غيابات القمع السياسي، والإفقار الاقتصادي المتعمد من طهران.
وفي مخطط إسقاط النظام لن يكون الاعتماد العسكري على الأحواز كبيرًا بقدر ما سيكون الاعتماد على توجيه ضربات لمصافي النفط وتعطيلها أهم بكثير، ولذلك لإرباك المحفظة المالية التي يعتمد عليها نظام المرشد، بتوجيه ضربات مخطط لها من قبل الاستخبارات الأمريكية ويتم تنفيذها بأيدي الإيرانيين أنفسهم، ما يسرع من الانهيار الاقتصادي لطهران.
انقسام داخلي بأيدي أبناء العم
وبالنظر إلى الشمال، سنجد العملاق الأذربيجاني (لا أقصد أذربيجان الدولة ولكن الأقلية الأذرية المتواجدة شمال إيران وهم أكبر أقلية عرقية في إيران) المتمركز في المحاظفات الشمالية، وتكمن خطورتهم إذا ما أرادت أمريكا استخدامهم في كونهم متواجدون بكثر في دواليب الدولة الإيرانية حتى إنهم انضم الكثير منهم منذ سنوات إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يمثل القوى الضاربة لحماية نظام المرشد.
ويمكن لأمريكا تقديم إغراءات سياسية لهم بعدما تزايدت النزاعات القومية بين الفرس والأذريين، ما يعني أن قرار انضمامهم إلى مواجهة مع الحكم في طهران سيعني ذلك تسارعًا في الانهيار لقدرتهم على الحصول على دعم عسكري واستخباري ضخم عبر أذربيجان أبرز حلفاء إسرائيل على حدود إيران، إذ لا يمثل ذلك أن يكون مجرد تمرد طرفي بل تصدع يصل حد الانقسام الداخلي في نظام المرشد.

شوكة في حلق الحرس الثوري
وبإكمال الدائرة حول طهران والتوجه شرقًا تبزغ في عين أمريكا إقليم بلوشستان الذي يعاني من تهميش سياسي واقتصادي لأسباب دينية منذ عقود، ما تسبب في نشوب نزاعات متواترة بين ما يعرف بجيش العدل (قوات انفصالية داخل الإقليم) والحرس الثوري الإيراي، إلا أن الدخول الأمريكي سيعني المزيد من الأسلحة والدعم الاستخباري والمسيرات التي يمكن استخدامها في صحاري لوط وكوير (أكبر صحاري في إيران وتستخدمها طهران كدرع شرقي إذ لا يمكن لجيش نظامي عبور تلك الصحاري الجبلية القاسية صعبة المراقبة مع أفغانستان وباكستان) لإنهاك الحرس الثوري وجر آلاف جنوده لمواجهات غير منتهية من شانها إضعاف الحرس بالتزامن مع باقي الجبهات الأخرى المذكورة سالفًا.
قرار أمريكا يكتب النهاية
وفي حال استخدمت أمريكا الجبهات الأربعة بشكل متزامن سيؤدي ذلك إلى حالة من الشلل العسكري والاقتصادي والتشتت بين مفاصل الحكم الإيراني، ما يصل بالحكم إلى مرحلة الانهيار الداخلي، الأمر الذي من شأنه أن يسبب زلزالا مدويا في الشرق الأوسط وليس داخل حدود إيران فقط، فسقوط طهران أو دخولها في حرب أهلية، سيتبعه انهيار لأذرع إيران في الخارج، كما يمكن أن يتبعه تقسيم إيران جغرافيًا وهو سيناريو كثيرًا ما سعت إليه إسرائيل، ولم تُبدِ أمريكا تحمسًا بشأنه.

إيران لا تسقط بسهولة
وبالدخول إلى دولاب النظام الإيراني ذاته، لا يمكن اعتباره لقمة سائغة أمام أي من الجبهات الداخلية الأربع، وكذلك خارجيًا، فنظام طهران يمكنه الصمود عسكريًا وسياسيًا، كونه يمتلك خبرة تمتد لعدة عقود في مواجهة التداعيات والمواجهات الداخلية، ولديه القدرة التاريخية على سحق أي مساعٍ داخلية للانفصال، ممثلة في الحرس الثوري.
وذلك يؤكد أن تدمير إيران يصعب تطبيقه بأيدي أمريكا وإسرائيل منفردين، فإذا ما سعت أمريكا لذلك ستكون البوابة الداخلية عبر حروب بالوكالة وتغذيتها عسكريًا واستخباريًا ولوجستيًا القشة التي تقسم ظهر ولاية الفقيه.



