أيمن عبد الهادي يكتب: بين أمر النبي وعصر الكاميرا المفتوحة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
لم يعد الشارع كما كان قبل سنوات، ولم تعد المواقف تمر وتنتهي بين الناس ثم تُنسى، اليوم، كل شيء قابل لأن يتحول في لحظة إلى فيديو، وكل كلمة أو حركة قد تصبح مادة للنشر والتعليق والمحاكمة الشعبية قبل أي شيء آخر.
قبل ساعات شاهدت مقطعًا متداولًا لشاب يوبخ آخر لأنه كان يدخن سيجارة في نهار رمضان في الطريق العام، لم يكن المشهد اشتباكًا مباشرًا بقدر ما كان توبيخًا متكررًا: “امشي من هنا… قلت لك امشي”، بدا واضحًا أن الشاب الذي يصور أو يتحدث يرى أنه يقوم بواجب ديني، وأنه يطبق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.
في البداية تعاطف كثيرون مع الفكرة نفسها: إنكار المنكر، فالتدخين في نهار رمضان أمام الناس يُعد استفزازًا لمشاعر الصائمين عند قطاع كبير من المجتمع، لكن مع مرور الوقت، وتتابع الأخبار، ظهر وجه آخر للقصة: ضبط الشخص الذي اعتدى على الشاب المدخن.
وهنا بدأت الأسئلة تتزاحم في الذهن، هل ما حدث تطبيق لحديث نبوي؟ أم اعتداء يعاقب عليه القانون؟ وأين تقف حدود النصيحة، وأين تبدأ حدود التعدي؟
المشكلة لم تعد في الواقعة نفسها، بل في السياق الجديد الذي نعيش فيه، نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في كل يد، هاتف محمول واحد قادر على تحويل موقف عابر في الشارع إلى قضية رأي عام خلال دقائق، ومن هنا يبدأ الخلط بين النية الدينية، والسلوك القانوني، والمحاكمة الرقمية التي يديرها جمهور السوشيال ميديا.
الحقيقة أن النصيحة في الإسلام لها آدابها، كما أن القانون في الدولة له قواعده، ليس كل من رأى خطأ أصبح مخولًا بتغييره بالقوة أو بالصوت العالي أو بالإحراج العلني، فالنصيحة قد تكون كلمة هادئة، وقد تكون تجاهلًا، وقد تكون إنكارًا بالقلب كما قال الحديث نفسه، لكن حين تتحول إلى مشهد استعراض أمام كاميرا، فإن المعادلة كلها تتغير.
والأخطر من ذلك أن الفيديو نفسه أصبح سلاحًا في المجتمع، كل موقف بسيط يمكن أن يبدأ بعبارة: “استنى بس أصور”، من يذهب ليطلب إيجار شقة قد يفتح الكاميرا، ومن يختلف مع شخص في الشارع قد يفتح الكاميرا، ومن يركب مواصلة قد يفتح الكاميرا، حتى أصبح الإحساس العام أن كل شخص يعيش داخل مشهد قابل للبث في أي لحظة.
لا شك أن الفيديو أداة مهمة في الصحافة والإعلام، بل أصبح جزءًا أساسيًا من توثيق الأحداث، نحن نحتاجه حين يكشف فسادًا، أو يوثق حادثًا كبيرًا، أو ينقل حقيقة لا يمكن إنكارها، نحتاجه عندما يصور حريقًا، أو حادث قطار، أو اعتداءً يستحق المحاسبة، ونحتاجه أيضًا عندما يظهر الوجه الجميل للمجتمع: موائد الإفطار، المبادرات الخيرية، مساعدة الفقراء، أو لحظات التكاتف الوطني.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفيديو إلى وسيلة للتلصص على الناس، أو لمحاكمة الآخرين في الشارع، أو لاصطياد الأخطاء الصغيرة وتحويلها إلى فضائح عامة،
هنا لا يصبح المجتمع أكثر أخلاقًا، بل أكثر توترًا.
الشارع ليس محكمة، والناس ليسوا قضاة، والكاميرا ليست دليل عدالة دائم، هناك فارق كبير بين النصيحة وبين الفضيحة، وبين الإصلاح وبين الاستعراض.
ولعل الدرس الأهم من هذه الواقعة أن النية الحسنة وحدها لا تكفي، فالعالم تغير، والقوانين تغيرت، وطريقة تعامل الناس مع بعضهم تغيرت. ما كان يمكن أن يمر قديمًا بكلمة بين شخصين في شارع جانبي، أصبح اليوم قضية منشورة أمام ملايين المتابعين.
في النهاية، قد يكون الإنسان مؤمنًا بالحديث النبوي، مقتنعًا بواجبه الديني في إنكار الخطأ، لكن عليه أيضًا أن يدرك أن لكل زمن طريقته في التعامل مع الأمور، ففي عصر السوشيال ميديا قد تبدأ القصة بنصيحة، وتنتهي بـ: تم القبض عليه.









