محلل سياسي إيراني: نتنياهو جرّ ترامب لحرب عبثية.. والقصف تسبب في تراجع الديمقراطية بطهران| حوار
“هذه الحرب غير المبررة تسببت في عرقلة الحركة الديمقراطية في إيران وتراجعها للوراء”.. بتلك الكلمات يكشف کوروش ضیابری الصحفي والمحلل السياسي الإيراني المقيم في نيويورك، تأثيرات الحرب الإسرائيلية - الأمريكية على الداخل الإيراني والتي من وجهة نظره ستزيده صلابة وتماسكا رفضا لأي تدخل خارجي.
يتحدث کوروش ضیابری، في حوار خاص لـ القاهرة 24 عن تلك المرحلة شديدة الاضطراب التي تشهدها المنطقة والعالم في ظل جر الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب لحرب غير مخطط لها من قبل تل أبيب ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، لتحقيق طموحاته التوسعية، واصفا تلك الحرب بأنها “حرب عدوانية عبثية” على حد قوله.
كما تطرق إلى اختيار المرشد الإيراني الجديد “مجتبى خامنئي” والذي لم يكن ليجيئ على رأس السلطة الدينية والسياسية في إيران، لولا اغتيال والده في القصف الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدفه مع عدد من القادة الآخرين، خاصة وأن والده على خامنئي كان معارضا للتوريث وأن يخلفه أحد أبنائه، كما تحدث عن موقف المعارضة الإيرانية وغيرها من أبرز مشاهد الداخل الإيراني.. وإلى نص الحوار.
يرى البعض أن إسرائيل نجحت في جر الولايات المتحدة الأمريكية إلى "مستنقع" الحرب في إيران.. هل تعتقد أن هذا التوصيف دقيق؟
تشير كل الدلائل إلى أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي قد نجح في جرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى ما يمكن وصفه بأنها “حرب عدوانية عبثية” ضد إيران، بعد فشله في الحصول على دعم من الرؤساء الأمريكيين السابقين لتمويل طموحاته، وقد قاومت جميع الإدارات الأمريكية تقريبًا ضغوط تل أبيب بقيادة نتنياهو قبل أن يقنع الأخير ترامب بخوض الحرب نيابةً عنه.
وما موقف الرأي العام الأمريكي من جرّ واشنطن لتلك الحرب؟
لا يزال الرأي العام الأمريكي يجهل سبب شنّ هذه الحرب، وعلى صعيد آخر؛ يكافح المشرعون في الكونجرس لإجبار مسؤولي الإدارة على تقديم تفسير جوهري حول دوافع هذه المغامرة العسكرية المكلفة، التي لا تستنزف أموال دافعي الضرائب الأمريكيين فحسب، بل أيضا تُعطّل سلسلة إمدادات الطاقة العالمية.
برأيك ما الذي تسعى إليه حكومة نتنياهو من هذه الحرب الخطيرة؟
من الواضح أن إسرائيل تسعى إلى الهيمنة الإقليمية بغض النظر عن التكاليف، وقد مكّنتها المعاملة الخاصة التي حظيت بها من الحكومة الأمريكية من انتهاك القانون الدولي، وتجاهل قراري مجلس الأمن الدولي رقم 487 و2334 بشأن برنامجها النووي ومستوطنات الضفة الغربية، والشروع في مسعى لإيجاد موطئ قدم جديد في جميع أنحاء المنطقة من خلال العمليات العسكرية.
ولابد من التذكير هنا أنه في مناسبتين خلال أقل من عام، نسف نتنياهو الجهود الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، الرامية للتوصل لاتفاق بينما كانت المفاوضات جارية، وفي كل مرة، تظاهر ترامب بالموافقة دون وعي على الرغم من رأس المال السياسي الذي استهلكه، مما أدى إلى عكس العملية التي بدأها بنفسه برسالة شخصية إلى الزعيم الإيراني الراحل علي خامنئي في عام 2024.
شاهدنا الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت خزانات الوقود في إيران، مما تسبب في انتشار دخان أسود كثيف وأضرار بيئية جسيمة.. كيف تقيّمون هذا التصعيد؟
أي سلوك طائش أو متهور خلال الحرب قد يُسبب مخاطر بيئية ومشاكل صحية طويلة الأمد للمدنيين، ويُعدّ مصدر قلق إنساني محتمل في الوقت الحاضر ومستقبلا، وفي حالة الغارات الجوية الإسرائيلية على منشآت النفط الإيرانية، والتي أدت إلى تسرب كميات هائلة من المواد السامة إلى سماء طهران، ومن هنا دقّ الباحثون والمؤسسات العلمية ناقوس الخطر بشأن تزايد خطر تعرض سكان طهران لحالات صحية خطيرة نتيجة ذلك.
كما أعرب خبراء القانون الدولي عن مخاوفهم، خاصة وأن ما حدث قد يُصنّف "جريمة حرب" فمن الواضح أن أي عملية عسكرية غير واضحة الأهداف، ستخلق ظروفًا يصبح فيها القصف العشوائي للبنية التحتية المدنية أمرًا لا مفر منه.
وكيف يُنظر إلى ذلك من منظور القانون الدولي الإنساني؟
إذا كانت الحرب قد شُنّت وفقا لتصريحات مسؤولين لتدمير البنية التحتية النووية الإيرانية، فقد تحقق هذا الهدف، ومع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ومعه عدد من كبار القادة العسكريين، لم يعد بإمكان الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي تحقيق أي شيء آخر، وإن استهداف البنية التحتية المدنية بشكل أكبر يثير تساؤلات حول مبادئ التمييز والتناسب، وهي اعتبارات بالغة الأهمية في دراسة القانون الدولي الإنساني.
صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن العملية العسكرية لا تهدف مباشرةً إلى إسقاط النظام، بل إلى تمهيد الطريق لذلك.. كيف تفسرون هذه الاستراتيجية، ولماذا تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل دفع المعارضة إلى الشوارع لمواجهة النظام؟
الحكومات في الدول ذات السيادة تتصرف حسب رغبتها، وعندما يواجه النظام الإسرائيلي سلسلة من الأزمات، بدءًا من محاكمة رئيس وزرائه أمام المحكمة الجنائية الدولية وصولًا إلى تورط ضباط جيشه في إساءة معاملة السجناء وانتهاك حقوق الفلسطينيين، فإنه ببساطة ليس في وضع يسمح له بالحديث عن الديمقراطية أو الدفاع عنها في أي مكان آخر.
وهنا يجب مواجهة نمط التوسع الإسرائيلي الجامح؛ وإلا فمن يضمن ألا تقرر تل أبيب بعد بضعة أشهر أنها بحاجة إلى التعجيل بتغيير الأنظمة على سبيل المثال في تركيا أو باكستان أو ماليزيا أو إندونيسيا وغيرها من الدول ذات الأغلبية المسلمة، وعلى المستوى الشخصي، لا آخذ تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي على محمل الجد، خاصةً وأن خطابه غالبًا يبنى على العداء والتجريد من الإنسانية بشكل مبالغ فيه تجاه المجتمعات التي لا تروق له.
من وجهة نظرك، هل يمكن لهذه الاستراتيجية أن تنجح في خلق "فوضى" تؤدي إلى تغييرات سياسية داخل إيران؟
لقد أسفرت هذه الحرب غير المبررة عن عرقلة الحركة الديمقراطية في إيران وتراجعها للوراء، وقمع تطلعات شعبها نحو حياة أفضل، وستُسجّل الحرب الأمريكية الإسرائيلية في التاريخ كعملية عسكرية غير قانونية شُنّت ضد دولة خاضعة للعقوبات من قِبل دولتين نوويتين، يقود إحداهما مجرم حرب وهو نتنياهو، والأخرى يقودها ترامب وهو أحد أقل رؤساء الولايات المتحدة شعبية، والذي يواجه سلسلة من الفضائح المتعلقة بالتحرش الجنسي.
كان التغيير السياسي في إيران مُرجّحًا قبل الغارات الجوية الإسرائيلية التي شُنّت في 13 يونيو 2025، والمعروفة بحرب الـ 12 يوما، وبعدها شهدنا تشددًا أكبر في المواقف الاستبدادية داخل إيران، مع تصاعد للمشاعر والشعارات القومية، وكذلك تصعيد القمع الحكومي ضد صانعي التغيير الحقيقيين في البلاد مثل الأكاديميين والكتاب.
وهذه المرة، لن تكون الأمور أفضل، وربما ستكون أسوأ، ومع ذلك، فإن المجتمع المدني الإيراني يتمتع بالمرونة والإبداع الكافيين لإحداث تغيير حقيقي إذا تم الحد من “التدخلات الأجنبية في شؤون البلاد”.
اختيار مجتبى خامنئي مرشدا جديدا خلفًا لوالده.. ما دلالات ذلك على صناعة القرار في إيران خلال المرحلة المقبلة؟
كان من غير المرجح أن يتم تعيين مجتبی خامنئي كمرشد أعلى لإيران لو لم يتم اغتيال والده، خاصة وأن الزعيم المغتال كان قد أعرب عن معارضته لنظام الخلافة الوراثية، ويُعد هذا القرار رسالة واضحة من المؤسسة الدينية الإيرانية مفادها أن أي عدوان خارجي سيزيد من تشدد موقفها ويعزز تحديها للغرب.
وبالتأكيد، ألحق القصف الإسرائيلي الأمريكي، أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية والمدنية والمؤسساتية في إيران، وستحتاج البلاد سنوات وعقودًا لإعادة البناء، ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية الجماعية المنطلقة من طهران تركز بشكل أساسي على إظهار موقف ثابت مناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، ورغم الحملات الدعائية المعادية لأمريكا داخل إيران وتاريخ طويل من التدخلات الأمريكية، ظل الإيرانيون من بين أكثر شعوب الشرق الأوسط ميلًا للولايات المتحدة، ومن المؤسف أن الحرب ستغير هذه الديناميكيات بشكل كبير.
وما رأيك في طرح رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق نفسه كبديل للنظام الحالي في حال الإطاحة به؟
رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق، لو كان تصرف كمرشح جاد للسلطة ووافق على خوض انتخابات حرة ونزيهة، لكان بإمكانه أن يكون من أبرز المرشحين وامتلك فرص نجاح كبيرة؛ لكنه سارع في فرض نفسه على الإيرانيين إلى درجة أنه دعا إسرائيل وترامب لشن حرب ضد بلاده!!. وما سبق ساهم بأن صورته التي ظهر بها أمام الرأي العام عكس سياسيًا ضعيفًا لا يستطيع العمل بشكل مستقل إلا بوقوف القوى الأجنبية خلفه.








