مستنقع الحرب على إيران.. متى تنتهي المواجهة؟
لعل سؤال متى تنتهي تلك الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يشغل العالم كله بعد دخولها الأسبوع الرابع، ونظرا للتداعيات الاقتصادية الكبيرة التي تسببت فيها خاصة بعد غلق مضيق هرمز وما نجم عنه من أزمة في الطاقة، حيث تأثرت إمدادات النفط، وبالطبع أربك ذلك حسابات جميع دول العالم.
ورغم كل محاولات دونالد ترامب لفتح المضيق إلا أنه لم ينجح في ذلك أمام الرفض الإيراني القاطع وعدم الانصياع لأي تهديدات مع ارتفاع سقفها حتى وصلت إلى ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، بل قوبل ذلك بتهديد من قبل إيران أنها سترد بشكل مدمر وغير مسبوق، مما أجبر ترامب على التراجع وخرج من ذلك المأزق بالإعلان عن وجود مباحثات وصفها بالمثمرة للغاية مع إيران من أجل إنهاء الحرب ومعها حالة العداء بينها وبين الولايات المتحدة، وقام بتمديد المهلة الخاصة بالمطالبة بفتح مضيق هرمز لخمسة أيام إضافية بعدما كانت 48 ساعة.
وبالنظر إلى ذلك وأيضا إلى سير العمليات العسكرية نجد أن الموقف الإيراني، مع كل ما تم من ضربات مكثفة شنتها أمريكا وإسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي بدأت بالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، يظهر صمودا واضحا لا يمكن إنكاره، وكذلك قدرة عالية على امتصاص تلك الضربات وإلحاق الأذى بعدوها بشكل واضح ومؤثر، وقد رأينا كيف استطاعت الصواريخ الإيرانية اختراق منظومات الدفاع الإسرائيلية الأكثر تطورا في العالم وإصابة أهداف داخل تل أبيب وإحداث أضرار بالغة، حتى وصل الأمر إلى ضرب مكان قريب جدا من مفاعل ديمونة النووي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد تمكنت إيران من إيقاع قتلى في صفوف القوات الأمريكية، ورأينا مشهد استقبال الجثامين الذي لم يكن يتمناه ترامب أبدا لما له من تأثير في الداخل الأمريكي الذي ترى قطاعات واسعة منه أن تلك الحرب بلا جدوى وأن نتنياهو جر ترامب إليها.
إلى جانب ذلك تمكنت إيران من إسقاط أكثر من طائرة أمريكية، وكانت المفاجأة الكبرى إصابة المقاتلة F35 التي تعد فخر الصناعة الأمريكية وذلك للمرة الأولى في تاريخها، حيث تتمتع بقدرة فائقة على التخفي من الرادارات، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت إيران بدأت في تلقي دعم من الصين وروسيا، وهو ما يربك الحسابات الأمريكية الإسرائيلية بكل تأكيد، حيث أن دخول أطراف دولية بشكل مباشر أو غير مباشر قد يغير ميزان القوى ويمنح إيران قدرة أكثر على الصمود.
لقد خصصت إسرائيل نحو 20 مليار دولار لتلك الحرب، وتشير التقديرات إلى أنها أنفقت حتى الآن خلال شهر واحد قرابة 80% من تلك الميزانية.
وهو ما يجعلنا بالحسابات أمام تساؤل واضح حول مدة قدرتها على الاستمرار في العمليات العسكرية، وهي مدة لا تتجاوز أسبوعين إذا استمر الإنفاق بنفس المعدلات.
أما بالنسبة لأمريكا فإن ما يواجهه دونالد ترامب من ضغوط متزايدة وانتقادات واسعة بسبب ارتفاع تكلفة العمليات وعدم تحقيق نتائج حقيقية، باستثناء ما يقوله هو حول أنه قضى تماما على إيران وغيرها من التصريحات التي يراها البعض كوميدية خاصة عندما تعقبها ضربة إيرانية مؤثرة هنا أو هناك، يجعلنا ندرك أن ترامب يتمنى إنهاء هذه الحرب سريعا، وقد أعرب عن ذلك بشكل غير مباشر، لكنه يخشى العواقب إذا خرج منها دون إنجاز يمنحه القدرة على إعلان النصر.
لا شك أن إيران لا يمكنها هزيمة أكبر قوة في العالم ومعها الجيش الإسرائيلي بكل ما يملكه من قدرات هائلة لا يمكن إنكارها، لكن في الحروب تكون القدرة على الصمود والإيذاء بمثابة استنزاف للعدو، وفي هذه الحرب يبدو أن الوقت ليس في صالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
وذلك يجعل فكرة إنهاء هذه الحرب خلال أسابيع قليلة واردة، خاصة مع وجود جهود للتوصل إلى اتفاق، ومع تأكيد إيران عدم عقد مباحثات مباشرة مع الولايات المتحدة رغم الحديث الأمريكي المتكرر عن ذلك، إلا أنها أعلنت أنها تلقت اقتراحات ترامب عبر وسطاء وأنها تدرسها رغم نظرتها السلبية لها، كما أن لديها مطالب في المقابل.
في نهاية الأمر كل الشواهد تقول إن هناك رغبة أمريكية تجاه إنهاء الحرب قبل دخولها مرحلة استنزاف فعلي قد يهدد مستقبل ترامب السياسي، لكنه في الوقت نفسه يخشى الخروج دون مكاسب واضحة ويؤدي ذلك لنفس النتيجة، ومن جانب إيران ليس واضحا تماما ما إذا كانت قادرة على إطالة أمد الحرب أو أنها ستسعى هي الأخرى للخروج بتحقيق بعض المكاسب.
وبالطبع مهما بلغت القدرة على التحليل لا يمكن التكهن بما ستئول إليه الأمور على وجه الدقة، فكل الأطراف لديها مفاجآت، لكن ما يتضح الآن أن ترامب استدرج إلى مستنقع كل ما يشغله الخروج منه سالما.
وغالبا ما تنتهي مثل هذه الحروب المعقدة والتي لا يستطيع طرف حسمها تماما باتفاق سياسي يحفظ ماء وجه الجميع ولعل هذا السيناريو الأقرب وربما يكون خلال الأسابيع المقبلة إذا لم تكن هناك مفاجآت جديدة.


