سرديات الدم والذكاء الاصطناعي: الوجه القبيح لحروب اغتيال الوعي!
احذر.. أنت الهدف من حرب سرديات المجانين الثلاثة!
بعيدًا عن الصراع المحتدم على الأرض بين المجانين الثلاثة الذين يدقون طبول الحرب بحماس شديد في أمريكا وإسرائيل وإيران، هناك صراعٌ لا يقل ضراوة ولا تأثيرًا يُدار في مسار موازٍ؛ ملعبه وسائل الإعلام الاجتماعي، والإعلام المحترف على حد سواء، ونحن في كل مكان هدفُ له!
إذا قُدّر لنا البقاء في هذه المنطقة بعد هذه الأوقات الصعبة، فسيؤرخ لحرب المجانين الثلاثة باعتبارها الحرب التي تجاوز فيها تأثير السرديات أثر الضربات العسكرية، وتخطى فيها حجم المحتوى المصنوع حجم الحقيقة الموثقة من الميدان، بل ورأينا لأول مرة تفوق حجم التزييف المولد بالذكاء الاصطناعي على التزييف الكلاسيكي الذي اعتدناه سابقًا.
والأخطر فعليًا في هذا المشهد الإعلامي/المعلوماتي المعقد هو تفاوت المسافات المعرفية بين جمهور هذه الحرب الشعواء، ويمكن تقسيمهم إلى ثلاثة فرق:
لأي الفرق الثلاثة تنتمي؟
- فريق الوعي النقدي (Critical Thinking): هؤلاء يمتلكون عقلية نقدية ترفض التفاعل العاطفي اللحظي مع الأحداث، وتُعمل العقل في تمحيص المعلومات والمصادر، فلا تذهب لتأييد مطلق أو دفاع مستميت، ولأن سمتها التعاطي البطيء مع الأحداث والمعلومات فعددها هو الأقل وتأثيرها للأسف هو الأضعف.
- فريق الغارقين في التضليل: يشبهون شخصيات "الزومبي" الخيالية، يسيرون وسطنا لكن عقولهم مخطوفة لأشخاص آخرين ينوبون عنهم في التفكير.. فنرى أقوالهم وأفعالهم تسير عكس مصلحتهم الشخصية، هؤلاء هم أول ضحايا حرب الإدراك (Cognitive Warfare)، يهاجمون كل ما يخالف أيديولوجيتهم الضيقة، ويدافعون باستماتة عن كل ما يناسب هواهم، هؤلاء أبعد ما يكونون عن حسابات العقل أو المنطق بأي شكل.
- فريق أهل التيه: هم الفئة الأكثر استهدافًا في هذه الحرب، وبداخلهم شرائح مختلفة، والقاسم المشترك بينهم جميعا عدم الثقة والتردد، وبالتالي أغلبهم يختار الانعزال وعدم التفاعل بسبب حالة التشتت والتشكيك، مصابين بحالة باتت تُعرف بـالشلل المعلوماتي (Information Paralysis)، وهي ظاهرة جديدة نسبيًا في أبحاث الإعلام الرقمي.
لو هناك شيء أتفق عليه الأطراف الثلاثة المتصارعة فهو تطبيق مبدأ "الحرب خدعة" خاصة في الشق الإعلامي وتوظيف الإنترنت والشبكات الاجتماعية ببث آلاف المحتويات المفبركة والمضللة والكثير منها مُصنع بالذكاء الاصطناعي بأدوات متقدمة وخاصة، والواضع أنهم استعدوا مبكرًا للسيطرة على معركة السرديات (Narrative Dominance)، وبقدر قد يفوق الاستعدادات العسكرية نفسها.
40% زيادة في ميزانية التأثير النفسي
تشير تقديرات حديثة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (International Institute for Strategic Studies – IISS)، إلى أن ميزانيات وحدات التأثير النفسي والعمليات السيبرانية لدى أطراف الصراع قفزت بنسبة 40% مقارنة بالأعوام السابقة.
آثار هذه الاستعدادات يمكن رصدها دون عناء كبير عند تحليل الاستراتيجية الإعلامية لدى فريقي "الزرق" و"الفرس" تحديدًا، أما استراتيجية الرئيس "البرتقالي"، فتقديري أن منظومة الاضطراب الإعلامي لديه لا تعمل وفقًا لتخطيط مؤسسي منظم، على الأرجح هي من بنات أفكاره الشخصية، والتي يُعتقد أنه الوحيد الذي يفهم أبعادها، لكن المؤكد أننا جميعا سوف ندفع ثمنها!
في منتصف مارس الماضي، كشف المرصد الأوروبي للإعلام الرقمي (EDMO) أن مواجهة الدول الثلاثة شهدت تصاعدا غير مسبوق في عمليات بث محتويات التزييف العميق (Deepfakes) مقارنة بأساليب التضليل التقليدية والتي كانت تقتصر على تزييف أجزاء من بعض المقاطع، أو التلاعب في السياق (Context Manipulation) بنزع الإطار الزماني أو الجغرافي من المحتويات.
وهذا يعني أن كل المتعاطيين مع معلومات هذه الحرب المجنونة يواجهون طوفان من التزييف المُصنع بالكامل (Synthetic Media Fabrication)، مما يجعل أدوات البحث العكسي التقليدية عاجزة عن كشف حالات التزييف في أغلب الأحيان، ومهما بلغت منصات التحقق من كفاءة وقدرة ستكون متأخرة بخطوات عن إمكانات أجهزة مثل وحدة (Unit 8200) الإسرائيلية المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية، مع وحدة تحليل السرديات في الاستخبارات العسكرية (Psychological Operations (PSYOPS))، غير منظومة "هاسبرا" المعنية بالدبلوماسية الإعلامية في وزارة الدفاع.
وفي إيران وحدات الأمن السيبراني في الحرس الثوري الإيراني تتمتع بنفوذ وميزانية كبيرة، مع وحدات مشابهة تعمل ضمن قوات الباسيج، بالإضافة لمجموعات سيبرانية عديدة تعمل بصورة شبه منفردة، على هجمات منسقة مثل مجموعة (Iranian Cyber Army)، في أول أسبوعين من الحرب فقط رصد تقرير لشركة (Cyabra War Intelligence) أكثر من 145 مليون مشاهدة لمحتوى تضليلي، مدفوعة بجيوش من "البوتات" التي تخلق حالات كبيرة من التفاعل الوهمي والتي تصنع انتصارات وهمية لا وجود لها إلا على ملعب الخوارزميات.
تحديات منصات التحقق!
ودليل على ما باتت تعانيه منصات التحقق من كشف عمليات التزييف، استغرقت منصة التحقق الشهيرة (Bellingcat) أكثر من أسبوع قبل أن تقوم بتوثيق عمليات استخدام صور أقمار صناعية مُولدة كليًا بالذكاء الاصطناعي تظهر دمارًا وهميًا لمواقع عسكرية، كأول ممارسة واسعة للحرب المعلوماتية الجيوسياسية (Geopolitical Information Warfare).
وكالة رويترز للأنباء كشفت أيضا في تحقيق استقصائي لها عن قنوات "بث مباشر" وهمية على يوتيوب تستخدم مقاطع من ألعاب فيديو قتالية مثل (Arma 3) لتقديمها على أنها معارك حية، وحصدت ملايين المشاهدات، بل وجذبت بعض التبرعات أيضًا، قبل أن يتم إغلاقها من قبل يوتيوب، والملاحظ هنا أن أغلب منصات التحقق الغربية تركز عمليات التحقق الخاصة بها على الجانب الإيراني بصورة أكبر من قدرتها على التحقق من الجانب الإسرائيلي.
من الظواهر الجديدة التي قمنا برصدها في هذه الحرب ظهور جيل جديد من "البوتات الآلية" المدعومة بنماذج ذكاء اصطناعي لغوية متقدمة، والقادرة على الدخول في نقاشات بطريقة تبدو بشرية، مدعومة بتقنية (Argumentative AI Agents)، وهي كائنات رقمية لا تكتفي بالنشر أو إعادة التدوير، بل قد تدخل في جدال وتدافع عن سرديات بعينها باستخدام وقائع ومعلومات ومراجع تبدو موثوقة، رغم أنها قد تكون مُعاد تشكيلها أو مُنتقاة بشكل مضلل.
وهذا يعني أن نقاشك الطويل والجاد مع شخص على منصة "إكس" هو في الواقع "روبوت" آلي وليس بشر، وتشير أبحاث معهد (Oxford Internet Institute) إلى أن أكثر من نصف التفاعل المرتبط ب"الهاشتاجات" الخاصة بالحروب الحالية على منصتي (TikTok-X) تقوده حسابات آلية غير بشرية، ضمن ما يُعرف تقنيًا بخلق سلوك غير الأصيل لكنه منسق (Coordinated Inauthentic Behaviour).
الوقيعة العربية العربية !
هذا التحول يعني أننا أمام شبكات تأثير رقمية متماسكة تعمل بشكل منسق، تحاكي السلوك الفردي الطبيعي، لكنها في الحقيقة جزء من منظومة منظمة لإدارة النقاش وتوجيهه، مما يزيد من تعقيد تفكيكها ويجعل اكتشافها أكثر صعوبة، وتأثيرها على الأرض حدث ولا حرج!
هل هذه المعلومات السابقة تذكرك بشيء؟! أغلب ما نراه الآن من صراعات على الشبكات الاجتماعية بين العرب والعرب تهدف لإحداث الوقيعة وزرع الفتن وتشتيت الانتباه واستدعاء الذكريات ونزعها من سياقها والقذف بكل مسبة وإلقاء الملامة هنا وهناك، عوضا عن التفكير في حلول للإنقاذ، وطرق للمناصرة والدعم العربي العربي، لعلنا نهرب من التخطيط الذي يدبر لنا على مائدة اللئام، والمصير الذي نندفع له بأيدينا!
أغلب ما نراه الآن من تشتت عربي خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، ما هو إلا نتيجة مباشرة لتأثير الحروب السيبرانية التي تتلاعب بخوارزميات الشبكات الاجتماعية وتتركنا مضللين أو في أفضل الأحوال تائهين، يقول مركز (Pew Research) وهو مركز أبحاث إعلامية شهير، أن نحو 60% من مستخدمي الأخبار في أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط فقدوا القدرة على التمييز بين المعلومات الحقيقية والمزيفة أثناء تغطية أحداث مارس 2026، مما خلق حالة الشلل المعلوماتي المشار إليها.
الخطر الحالي والخطر المستقبلي!
الأمر الأكثر خطورة على عقولنا لا ترتبط فقط بمخاطر الحاضر التي نعيشها من حروب معلوماتية تمارس بضراوة على عقولنا، ولكن الأخطر مرتبط بالمستقبل، حيث بدأت أجيال الغد تعتمد بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي كمصدر رئيسي للمعلومات (57% من المراهقين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات، وفقا لتقرير Pew Research Centre)، وكلنا يعرف أن أنظمة (AI) أشبه بوحش ضخم يتغذى على أرشيف الإنترنت بكل ما فيه من حقائق أو تزييف.
معهد (Reuters Institute) يحذر من أن هذا الكم الهائل من التضليل الذي يمارس بشكل منظم ومكثف سيجعل التأريخ المستقبلي الموضوعي للأحداث من حولنا أمر شبه مستحيل، بعدما يصبح التزييف جزءًا من الأرشيف العالمي للبشر، ويتم تسميم معلومات الأحداث التي عشناها، وتصبح الوقائع التي رأيناها بأم أعيننا مهجورة، بينما روايات الذكاء الاصطناعي الأكثر انتشارًا!
أطراف كثيرة يجب أن تتحرك وتدافع عنا، لكن في النهاية حماية أنفسنا من التضليل مسؤولية شخصية بالأساس، لذا يجب أن نتعامل مع كل خبر وكل منشور وكل مصدر باعتباره قابلًا للشك؛ ويجب أن يستقر في عقولنا أن الخطر حقيقي ليس فقط في الرصاص الطائش الذي قد يصيبنا من المجانين الثلاثة، ولكن أيضا من أطنان الأكاذيب التي تستهدف وعينا وإدراكنا، وقد تجني بفضلها الحروب الإدراكية (Cognitive Warfare) مكاسب أكبر من الحروب العسكرية!


