الجمعة 01 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

تحت غطاء التنمية.. كيف تصل الأموال الغربية للإرهابين في دول الساحل؟

الإرهاب بدول الساحل
سياسة
الإرهاب بدول الساحل
الثلاثاء 07/أبريل/2026 - 08:36 م

تُعدّ منطقة الساحل الإفريقي واحدة من أكثر مناطق الاضطراب الأمني في العالم خلال العقدين الأخيرين، فقد تحولت هذه المنطقة الممتدة جنوب الصحراء الكبرى إلى مسرحٍ معقد للصراعات ونشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ومع تصاعد الهجمات الإرهابية ونفوذ التنظيمات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، تبرز تساؤلات عديدة حول مصادر تمويل هذه الجماعات، ومن بين أكثر الأسئلة إثارة للجدل: كيف يمكن أن ينتهي جزء من الأموال القادمة من الدول الغربية في أيدي الجماعات المسلحة التي يُفترض أن تلك الأموال جاءت لمواجهتها؟، مع الأخذ في الاعتبار النموذج الفرنسي للتواجد في دول الساحل وتحركات باريس في هذه المنطقة رغم أنتهى الوجود العسكري الفرنسي بها، حيث تقدم باريس تمويلًا متعدد الأوجه تحت غطاء دعم التنمية والاستقرار في هذه الدول، في حين يقع هذا التمويل في أيدي الجماعات الإرهابية والتنظيمات الجهادية التي تهدد استقرار دول الساحل.

كيف تصل أموال الدول الغربية للإرهاب في الساحل؟

تعتمد التنظيمات التي تنشط في منطقة الساحل في تمويلها على طرق متعددة. وفي السنوات الأخيرة، خاصة بعد تغير أنظمة الحكم في عدد من دول الساحل، بدأت حكومات هذه الدول تتهم الغرب بالفشل في مكافحة الإرهاب، بل أحيانًا تشير إلى أن السياسات الغربية ساهمت في تفاقم المشكلة من خلال تقديمها للدعم المالي للجماعات الإرهابية، في منطقة شهدت مقتل أكثر من 77000 شخص بسبب الإرهاب منذ 2015، ما يمثل نحو 50% من ضحايا الإرهاب عالميًا، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي.

وقال محمدن أيب أيب، أستاذ وباحث بدول الساحل والصحراء والجماعات المسلحة في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24: بدون تلك الأموال التي دفعها الأوروبيون لهذه الجماعات ما استقوت ولم تصل إلى ما وصلت إليه، حيث أصبحت الآن تسيطر على أجزاء كبيرة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وشمال بنين وشمال نيجيريا ومنطقة بحيرة تشاد وشرق الكونغو إلى حدود أوغندا وشمال موزمبيق، وغيرها من المدن التي تقاسمتها داعش والقاعدة.

وفي وقت سابق، قال أحد قادة تنظيم القاعدة في مالي: إن الكثير من الدول الغربية تدفع مبالغ هائلة للجهاديين، فمصدر تمويلنا هو الدول الغربية، إنهم يدفعون مقابل الجهاد. وفقا لما نقله مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

وأكدت الدكتورة إيمان الشعراوي، مدير مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، أن منطقة الساحل الإفريقي أصبحت تمثل المركز الجغرافي الأبرز لنشاط الجماعات الإرهابية على مستوى العالم، وفق تقرير مؤشر الإرهاب العالمي الصادر في مارس 2026، ويعكس هذا التحول تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة العمليات الإرهابية واتساع نطاقها. وهذا يشير بوضوح إلى تنامي التمويل الخارجي للجماعات الإرهابية، سواء من خلال دعم مباشر تقدمه بعض الدول، أو عبر شبكات التبرعات الخيرية والمنصات الرقمية التي تُستغل لأغراض إرهابية. ويتيح هذا التمويل للجماعات القدرة على توسيع نشاطها، وتأمين الأسلحة، وتجهيز الكوادر، فضلًا عن تنفيذ عمليات أكثر تخطيطًا وتعقيدًا.

وأشارت الشعراوي، في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، إلى أنه في بعض الحالات، تصل الأموال الغربية إلى الجماعات الإرهابية بشكل غير مباشر، عبر مشاريع تنموية أو مساعدات إنسانية في مناطق النزاع، حيث تستغل الجماعات الثغرات الإدارية والرقابية لتحويل جزء من هذه الموارد لصالح أنشطتها، كما أن التدخلات الأجنبية قد تحمل أهدافًا سياسية أو جيوستراتيجية، ما يزيد من تعقيد مسارات التمويل ويصعب السيطرة على تدفق الأموال، موضحة أن هذا الواقع يفرض على الدول الأفريقية ضرورة تبني استراتيجيات شاملة لمراقبة الموارد المالية ومشروعات التنمية، وتطوير آليات فعالة لتتبع التمويل المشبوه، إلى جانب رفع وعي الجمهور حول مخاطر دعم الجماعات الإرهابية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

الإرهاب بدول الساحل
الإرهاب بدول الساحل

أموال فرنسا في يد الإرهاب بدول الساحل

انتهى الوجود العسكري الفرنسي الدائم في منطقة الساحل الإفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) بين عامي 2022-2024، بعد حقبة تاريخية من النفوذ السياسي والاقتصادي والسيطرة على هذه الدول ومواردها والتحكم في شعوبها، لكن الخروج الفرنسي من دول الساحل، لم ينهي العلاقة القائمة بين فرنسا ودول الساحل نهائيًا، حيث تقدم باريس تمويلًا متعدد الأوجه تحت غطاء دعم التنمية والاستقرار في هذه الدول، في حين يقع هذا التمويل في أيدي الجماعات الإرهابية والتنظيمات الجهادية التي تهدد استقرار دول الساحل، في ظل التقارير التي تربط بين تقديم فرنسا لهذا الدعم، مع أشكالًا أخرى متعددة من الدعم للإرهابيين، وذلك بهدف زعزعة استقرار الحكومات غير المتعاونة في منطقة الساحل مع باريس.

وأوضح أيب حول النموذج الفرنسي: لقد قدمت فرنسا الكثير من المبالغ للجماعات الجهادية في منطقة الساحل وتعرف الكثير من الوسطاء الذين يعملون في ذلك المجال، حتى بعد إرسالها لقوات في العمليات التي عرفت بعمليات بوركان ثم سيرفال، هذا لم يمنعها من دفع مبالغ طائلة عن رعاياها وعن المختطفين بمنطقة الساحل، وهذه المبالغ كانت تصل العاصمة المالية باموكو، حتى أن في إحدى الدفعات المالية التي حولت إلى القاعدة نقلها الفرنسيون عبر مروحياتهم القتاليّة لتأمين وصول الفدية شمال مالي، لذلك فإن الفرنسيين نفسهم متورطين في هذا الملف، حتى أن آخر صفقة كانت بينة هي صفقة عام 2022، التي شملت مبلغ مالي دفع عن أخر رهينة فرنسي وإطلاق سراح 145 من قادة الجماعات الجهادية كانوا في سجون باموكو بينهم أجانب، تم نقلهم عبر طائرة تتبع الخطوط الفرنسية وتسليهم لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وهناك عدة كيانات كانت مستفيدة من التمويل ومنها، تحالف الساحل (Sahel Alliance)، ومبادرة مينكا الساحل (Minka Sahel)، وصندوق الساحل (Sahel Facility)، وهي ثلاثة أدوات رئيسية ممولة من فرنسا عبر الوكالة الفرنسية للتنمية AFD والاتحاد الأوروبي، وقد استثمرت هذه البرامج أكثر من 13 مليار يورو في دول مجموعة الساحل الخمس، مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وموريتانيا، وتشاد، وذلك خلال الفترة 2018 – 2025، كما نسق تحالف الساحل 1330 مشروعًا بقيمة إجمالية تقارب 23 مليار يورو. أما مبادرة مينكا فقد خصصت 1.2 مليار يورو لتمويل 175 عملية، تركزت نسبة كبيرة منها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. في حين قدم صندوق الساحل صندوقًا تمهيديًا بقيمة 50 مليون يورو مع مشاريع محددة تبلغ قيمتها حوالي 13 مليون يورو.

الإرهاب بدول الساحل
الإرهاب بدول الساحل

الشعراوي: لا أدلة ملموسة تثبت تورط القوات الفرنسية في دعم الجماعات الإرهابية

وحول النموذج الفرنسي، أكدت الشعراوي، أن الاتهامات المتكررة لفرنسا بدعم الجماعات المسلحة في منطقة الساحل تعكس مدى التعقيد الذي يميز المشهد الأمني في الإقليم، خصوصًا بعد انسحاب قواتها من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فبعد كل عملية نوعية تنفذها الجماعات الإرهابية، تثار التساؤلات حول إمكانية وصول معلومات استخباراتية دقيقة إلى هذه التنظيمات، في ظل خبرة باريس السابقة في المنطقة لما يقارب العقد من الزمن. ومع ذلك، لم يتم تقديم حتى الآن أدلة ملموسة تثبت تورط القوات الفرنسية أو عملاء لها بشكل مباشر في دعم الجماعات الإرهابية.

وحتى بعد طرد فرنسا من منطقة الساحل، لم تتوقف أنشطة الوكالات الفرنسية، فقد حولت الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) تمويلها مباشرة إلى المنظمات غير الحكومية، واستمرت في العمل في مناطق يتواجد فيها الجهاديون عبر هذه المنظمات، ويُعد ذلك بمثابة آلية التفاف، وفقًا لدراسة أعدها معهد التنمية الخارجية (ODI)، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في قضايا التنمية والمساعدات الإنسانية، بالتعاون مع مجموعة السياسات الإنسانية (HPG).

بينما يقول الباحث الجزائري المستقل جلايلية عبد الحق: لقد تم طرد فرنسا من دول الساحل، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وسحبت قواعدها العسكرية ودمرت استثماراتها وتركتها على التراب، وفككت كل مشاريعها حتى منجم اليورانيوم في النيجر، لكن لا يخفى أن باريس تركت ورائها شبكة وساطات وخلايا نائمة تعمل في هذه الدول، ومن المعروف أن الجماعات الإرهابية تكون في صف الذي يدفع أموال أكثر. كما أن عملية التمويل الآن باتت معقدة لأن طرق الدفع أصبحت أكثر تعقيدًا وغير قابلة للتتبع الا عبر إمكانيات فنية وبشرية كبيرة، كما أن المجرمين الكبار يتعاملون في صفقاتهم بالعملات الإلكترونية المشفرة لصعوبة تتبعها لتمويل العمليات المشبوهة، وأجهزة الاستخبارات أيضا تستخدم هذا النوع أيضًا.

ونتج عن انسحاب القوات الفرنسية من مالي أغسطس 2022، توسع نطاق سيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) بشكل كبير، حيث باتت تسيطر على مساحة أكبر بكثير مما كانت عليه في عام 2014، كما امتد نفوذ الجماعة إلى وسط مالي بعد أن كان وجودها محدودًا في شمال البلاد، ومعظم أراضي بوركينا فاسو، وأطراف النيجر، بل ووصل حتى سواحل بنين وتوجو. وهنا يؤكد أيب: من الملاحظ أيضا أن الهجمات قد زادت بعد خروج فرنسا من منطقة الساحل، وفقدت مالي أكثر من 30% من أرضها، ولأول مرة تتم محاصرة العاصمة المالية باموكو، ولأول مرة في تاريخ الجماعات الجهادية تتوسع القاعدة لتسيطر على 14 مدنية، ولأول مرة تتوسع الهجمات في بوركينا فاسو، ولأول مرة ينشئ تنظيم القاعدة ولاية له في شمال بنين على حدود بوركينا فاسو.

تابع مواقعنا