لا تصاحب هاتفك
لعلنا جميعا نرى ما وصلنا إليه من حالة التعلق الشديد بالهاتف حتى أصبح هو أكثر شيء يرافقنا على مدار يومنا، فنبدأ به فور الاستيقاظ وننتهي به قبل النوم.
وهنا أقول لنفسي ولكل من يقرأ هذا المقال.. لا تصاحب هاتفك، فليس كل ما يلمع ذهبا، ولا كل ما يمنحك لحظة متعة مؤقتة يستحق أن تمنحه عمرك.
قد يبدو لك هذا الجهاز الساحر رفيقا خفيف الظل، يكسر حالة من الملل تعيشها، ويشغل فراغك، ويمنحك شعورا وهميا بالونس، لكن في الحقيقة ما يأخذه منك أكثر مما يمنحك إياه.. فهو يأخذ وقتك، وتركيزك، وربما حياتك كلها وأنت لا تشعر.
في عالم الإنترنت أنت مستهدف طوال الوقت
هناك جيوش ضخمة من الشركات تعمل ليل نهار لتبقيك ممسكا بهاتفك أطول وقت ممكن، فهي تصمم التطبيقات بعناية، وتجعل من كل لحظة تقضيها عليه فرصة جديدة لشدك إليها.
واعلم أن كل تمريرة بإصبعك ليست عفوية، وكل دقيقة تقضيها محسوبة، وتترجم إلى أرباح لا تراها رغم أنك من يدفعها.
تشير دراسات حديثة في علم النفس إلى أن الاستخدام المفرط للهاتف يخلق نمطا من الإدمان يشبه إلى حد بعيد إدمان المواد المخدرة، حيث يفرز المخ هرمونات المكافأة مع كل إشعار أو تفاعل، فيدخلك في دائرة مغلقة.. تبحث عن المتعة، فتجدها لحظية غير دائمة وسرعان ما تنتهي، ثم تعود لتبحث عنها من جديد كونك اعتدت عليها.
ومع الوقت، يضعف تركيزك، ويزداد توترك، ويتسلل القلق إلى حياتك دون سبب واضح، ويختل نومك، وتفقد قدرتك على الاستمتاع بالأشياء البسيطة التي كانت تمنحك السعادة في السابق إذا كنت من جيل ما قبل الهاتف الذكي والإنترنت.
ولعل الأخطر من ذلك كله، أنك تبتعد عن حياتك الحقيقية دون أن تدري.
تجلس بين أهلك، لكنك لست معهم، تمشي في الطريق بينما لا تراه، وربما تعيش اللحظات ولا تشعر بها، ويتحول العالم من حولك إلى تلك الشاشة الصغيرة.
صدقني يا عزيزي، الهاتف ليس صديقك كما تتوهم، بل خصمك المتخفي في ثوب الصديق الذي لا يهاجمك بشكل مباشر، بل يتسلل إليك بخبث شديد، حتى يضعك في سجن من العزلة، والتشتت، وضياع الوقت.
ضع حدودا واضحة قبل فوات الأوان، فلا تبدأ يومك به، ولا تجعله آخر ما تراه قبل نومك، وحاول التمرد عليه وقل له لن أجعلك تتحكم في حياتي بعد الآن.
امنح نفسك وقتا أطول قدر الإمكان بلا هاتف، وجرب أن تستعيد تركيزك، أن تعود لحديث حقيقي مع أشخاص مثلك، أو كتاب تقرأه، أو تأمل وانظر حولك سترى كم أنت بعيد.
ستكتشف حينها أنك لم تكن تحتاجه طوال الوقت كما كنت تظن، وأنك كنت فقط معتادا عليه.
الحياة خارج هذا الهاتف والعالم الافتراضي أوسع، وأصدق، وأجمل مهما كانت، كونها حقيقية.. كل ذلك يحتاج منك قرارا حازما.. لا تصاحب هاتفك.


