من النووي إلى هرمز.. كيف حولت إيران دفة الحرب؟
منذ اللحظة الأولى، لم تكن هذه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل على إيران وليدة قرار مفاجئ، بل نتيجة مسار طويل من التوترات والتحركات السياسية، وكان ملف البرنامج النووي الإيراني هو عنوانها الأساسي.
تابعنا المفاوضات عبر سنوات، ومؤخرا كانت قد قطعت شوطا ليس بالقليل كما تحدثت التقارير، بل إن المؤشرات كانت توحي باقتراب التوصل إلى اتفاق، أو على الأقل إلى صيغة تهدئ الصراع وتبقيه تحت السيطرة.
لكن في المقابل، كانت هناك حقيقة أخرى تتشكل في الظل، ربما لم تقدر حق قدرها في حينه، وهي تطور القدرات الصاروخية الإيرانية، التي فوجئت بها إسرائيل خلال حرب الاثني عشر يوما.
هذه القدرات لم تكن مجرد عنصر قوة عادي، بل تحولت إلى هاجس أمني حقيقي، وربما كانت السبب الأعمق في اندلاع الحرب، أكثر من الملف النووي نفسه الذي كان يسير ولو ببطء نحو تفاهمات محتملة.
بدأت أمريكا الحرب ومعها إسرائيل بشكل مباغت ومحسوب عسكريا بدقة، لكن سياسيا لم تكن التقديرات صحيحة نهائيا، وخاصة فيما يتعلق بتماسك الشعب الإيراني الذي كان الرهان عليه لإسقاط النظام، وهو الأمر الذي لم يحدث، بل رأينا العكس، والأهم والأخطر هو استخدام إيران لورقة مضيق هرمز، والتي قلبت الموازين وأربكت المشهد، وأظهرت ترامب كرجل دخل حربا ولا يعرف كيف يخرج منها، وهو عالق الآن.
لم تسر الحرب كما خطط لها، ولم تظل أهدافها كما رسمت في بدايتها. استطاعت إيران، بدهاء سياسي واستراتيجي، أن تغير دفة الصراع بالكامل، وأن تنقل مركز الثقل من ملفاتها الحساسة إلى ساحة أخرى لم تكن في الحسبان.
إغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد خطوة تصعيدية، بل كان تحولا استراتيجيا غير قواعد اللعبة.
فجأة، لم يعد الحديث عن البرنامج النووي، ولا عن الصواريخ، بل عن شريان الطاقة العالمي الذي توقف تقريبا، وارتبك العالم، وتلاحقت الأزمات الاقتصادية، ووجدت القوى الكبرى نفسها أمام واقع جديد، لم تعد فيه الأولوية لما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
ولعل المفارقة اللافتة، أن هذا المضيق، الذي أصبح حديث العالم بأسره، لم يكن كثير من الناس يدركون قيمته الحقيقية أو حتى موقعه، باستثناء المتخصصين. بل ربما لم يتخيل كثيرون، وربما حتى بعض صناع القرار في إيران، أن يتحول إلى الورقة الأثقل في معادلة معقدة كهذه.
هنا تحديدا، نجحت إيران في إعادة توجيه الأنظار. لم تعد في موقع الدفاع عن برنامجها النووي، بل أصبحت هي من تمسك بورقة الضغط الأهم.
تحول مضيق هرمز إلى الهم الأول للولايات المتحدة، وإلى الشاغل الأكبر للرئيس دونالد ترامب، الذي وجد نفسه منخرطا في مستنقع حرب لم يكن يتوقع أن تتخذ هذا المسار، في ظل دفع واضح من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو التصعيد.
وهكذا، تغيرت الأولويات، وتبدلت الأهداف، وأصبح ما كان في الهامش هو العنوان الرئيسي، بينما تراجع ما كان سببا مباشرا للاشتعال إلى الصفوف الخلفية.
إنها ليست مجرد حرب، بل درس في كيف يمكن لحركة واحدة محسوبة أن تعيد تشكيل المشهد بالكامل، وتفرض واقعا جديدا، يجبر الجميع على إعادة الحسابات، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم يمسكون بخيوط اللعبة من البداية.


