آخر العهد بالبيت| طواف الوداع في الحج.. وقته وحكمه ودعاؤه
يحين آخر موعد لـ طواف الوداع في الحج، ثالث أيام التشريق الموافق هجريا اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو ما يفعله الحاج بعد الانتهاء من جميع مناسك الحج، ليختم به الحاج صلته بالبيت الحرام، ويسمى أيضًا طواف الصَّدَر وكذلك طواف العهد لأنه آخر العهد بالبيت الحرام، وفي هذا التقرير نوضح حكم طواف الوداع وكيفيته ووقته.
طواف الوداع في الحج
أكد العلماء أن طواف الوداع في الحج، لا يكون إلا بعد قضاء جميع المناسك، ولا بد أن يعقبه الخروج مباشرة من مكة إلا لعذر، وهذا ما رجحه جمهور أهل العلم، فقال النووي رحمه الله: ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد جميع الأشغال ويعقبه الخروج بلا مكث، فإن مكث نظر إن كان لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض، لزمه إعادة الطواف.
كما ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن وقت طواف الوداع يكون بعد الانتهاء من جميع الأعمال والعزم على السفر، بحيث يباشر بالسفر بعد الطواف، ولا بأس بانشغاله بتجهيزات وأسباب السفر، مثل الشراء ونحوه، أما إن أطال مدة الإقامة وانشغل بأمور غير أمور السفر، يلزمه إعادة الطواف.
وأما الحنفية قالوا إن وقته يكون بعد الانتهاء من جميع الأعمال ويمتد حتى السفر، فلا يشترط أن يسافر مباشرة، فلو بقي عدة أيام بعد الطواف وطالت إقامته، صحّ طوافه ولا يلزمه إعادته.

حكم طواف الوداع
انقسم الفقهاء في حكم طواف الوداع إلى قولين مشهورين:
القول الأول وهو الوجوب، وذهب به الحنفية، والحنابلة في الأصح، والشافعية في الأظهر، وقالوا إن طواف الوداع واجب، واستدلوا بحديث "لَا يَنْفِرْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْت".
وأما القول الثاني ذهب بسنيته المالكية، وداود الظاهري، وابن المنذر، وهو قول ثانٍ للشافعية والحنابلة، وقالوا من تركه لا شيء عليه، ولا يلزم بتركه دم، وحجه صحيح، وهذا هو المختار تيسيرًا على الناس، إذ يستحب تعجيل العودة، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا قضى أحدكم حجه فليتعجل إلى أهله؛ فإنه أعظم لأجره".
الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع
ومن جانبها أوضحت دار الإفتاء المصرية، بعض الأحكام المتعلقة بـ طواف الوداع في الحج، فقالت في منشور سابق لها على صفحتها الرسمية بموقع فيس بوك، يجوز شرعًا تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بمكة ليُغنِيَ عن طواف الوداع، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده، كما أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد ولا حرج.
وأكدت الدار أن طواف الوداع هو آخر ما يفعله الحاج قُبيل سفره من مكة بعد انتهاء المناسك، فهو بمنزلة توديع للبيت الحرام، ويجب على الحاج الاجتهاد فيه بالدعاء قدر الاستطاعة، وما عليه الفتوى أن طواف الوداع سُنة، فإذا أراد الحاج السفر بعده فورًا سافر ولا حرج عليه.
حكم ترك طواف الوداع للحائض
كما أوضحت دار الإفتاء، أن الفقهاء اتفقوا على أن الحائض ليس عليها طواف الوداع، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض"، وبناء على ذلك فإن ترك طواف الوداع لعذر الحيض لا يُوجب دمًا.
كيفية طواف الوداع كم شوط
طواف الوداع سبعة أشواط، يبدأ الحاج الطواف بجعل الكعبة على يساره، مبتدئًا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه، في كل شوط من الأشواط السبعة، ولابد للحاج أن يحافظ على طهارة بدنه وثوبه ومكان طوافه، وأن يكون طوافه خارج الحِجر، لأنه يعد جزءا من الكعبة.
وعلى الحاج مراعاة الآداب الشرعية، بعدم المزاحمة والنظر إلى المحرمات، وغير ذلك، كما يستحب للحاج بعد الانتهاء من الأشواط السبعة أن يصلي ركعتين خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، يقرأ بعد سورة الفاتحة في الركعة الأولى سورة الكافرون، وفي الركعة الثانية سورة الإخلاص.

دعاء طواف الوداع
ويقال في دعاء طواف الوداع:
"اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنَعْمَاكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكَكَ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي بِالْعَافِيَةِ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةِ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي... اللهم إني أسألك عِلمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء".
وعند ركوب وسيلة السفر للعودة إلى الوطن يقول الحاج: {سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 13، 14]، ويزيد "اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْل، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ"


