رئيس تجمع مبادرة الحزام والطريق لآسيا والمحيط الهادئ: مصر ركيزة استراتيجية وبوابة آسيا إلى إفريقيا وأوروبا.. وقناة السويس شريان لا بديل عنه| حوار
في وقت يعاد فيه تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتتجه الأنظار نحو تكتلات "الجنوب العالمي"، تبرز مصر كحلقة وصل لا غنى عنها في قلب واحدة من أضخم المبادرات الاقتصادية في التاريخ الحديث، وهي مبادرة "الحزام والطريق"، حيث لم تعد مصر مجرد نقطة عبور جغرافية، بل تحولت بفضل منطقتها الاقتصادية ورؤيتها لعام 2030، والعديد من المميزات الأخرى، إلى مركز جذب استراتيجي لرؤوس الأموال الآسيوية الرائدة.
وفي هذا السياق، أجرى «القاهرة 24» حوارًا خاصًا مع أونغ تي كيات، رئيس تجمع مبادرة الحزام والطريق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (BRICAP)، حيث تناول خلال الحوار مكانة مصر الحالية على خريطة المبادرة، والفرص الاستثمارية المتاحة أمام المستثمرين الآسيويين، ومستقبل التعاون بين مصر ودول الآسيان، إلى جانب آفاق الشراكات في مجالات الطاقة الخضراء والهيدروجين الأخضر.
كما تطرق رئيس تجمع الحزام والطريق لآسيا والمحيط الهادئ إلى الانتقادات الغربية الموجهة للمبادرة، ورؤيته لمستقبل التعاون بين الاتحاد الأفريقي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر كمركز لوجستي رئيسي في أفريقيا، وكيفية توظيف مبادرة الحزام والطريق لتعزيز السياحة والتبادل الثقافي بين مصر وآسيا.
وفي السطور التالية، يكشف أونغ تي كيات رؤيته لمستقبل الشراكة المصرية الآسيوية، ودور القاهرة المتنامي في الربط بين قارات العالم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا.
1. كيف تنظرون إلى الموقع الحالي لمصر وقناة السويس على خريطة "الحزام والطريق" اليوم؟
تحتل مصر موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على خريطة مبادرة "الحزام والطريق"، إذ تمثل حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وفي إطار طريق الحرير البحري، تكتسب مصر قيمة كبيرة لعدة أسباب أساسية وهي كالتالي:
1- أهم ممر بحري عالمي:
تظل قناة السويس الشريان الرئيسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه للتجارة البحرية بين مراكز التصنيع في شرق آسيا والأسواق الاستهلاكية في أوروبا.
ويمر جزء كبير من التجارة البحرية العالمية عبر هذا المسار، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في شبكة التجارة الدولية الصينية وأمن سلاسل الإمداد.
2- مركز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس:
لم تعد مصر تكتفي بدور الممر العابر، بل نجحت في توظيف موقعها الجغرافي من خلال المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وقد أسهمت مشروعات رائدة مثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري "تيدا" في تحويل المنطقة المحيطة إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية والصناعة والتصنيع.
3- التوافق الاستراتيجي مع رؤية مصر 2030:
يتماشى برنامج التحديث الهيكلي الداخلي في مصر، المتمثل في "رؤية مصر 2030"، بصورة وثيقة مع مبادرة الحزام والطريق، مما رفع مكانة مصر من مجرد نقطة عبور جغرافية إلى شريك فاعل في الترابط الصناعي لدول الجنوب العالمي، عبر تعزيز الإنتاج المشترك وتحويل حركة العبور إلى قيمة اقتصادية محلية.
ما القطاعات المصرية الأكثر جذبًا للمستثمرين من شرق آسيا في الوقت الراهن؟
تتجه رؤوس الأموال القادمة من شرق آسيا، وخاصة من الصين وكوريا الجنوبية واليابان، بشكل متزايد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة والتصديرية والتحول الاقتصادي في مصر، ومن أبرز هذه القطاعات:
1-التصنيع المتقدم والصناعات الثقيلة
استقطبت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس استثمارات بمليارات الدولارات في مشروعات صناعية كبرى، تشمل مصانع أنابيب الحديد الدكتايل، مثل مشروعات شركة "شينشينغ"، إضافة إلى صناعات الصلب والكيماويات والمنسوجات والملابس.
2-الطاقة الخضراء والهيدروجين الأخضر
في ظل إمكانية تحول قناة السويس إلى ممر عالمي للطاقة النظيفة، يوجه المستثمرون اهتمامهم إلى صناعات البروم والكاوستيك ومشروعات الطاقة النظيفة.
كما تجعل قدرات مصر الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح منها وجهة رئيسية للشركات الآسيوية الراغبة في إنشاء مراكز إقليمية للهيدروجين الأخضر والوقود النظيف.
3-الزراعة والصناعات الغذائية
يجذب المناخ الزراعي على مدار العام على امتداد نهر النيل وبرامج استصلاح الأراضي اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين، الذين يتجهون نحو إنشاء مشروعات للزراعة الذكية والصناعات الغذائية عالية القيمة الموجهة للتصدير إلى الأسواق الأوروبية والخليجية.
4- السيارات والإلكترونيات والبنية التحتية
تستفيد شركات شرق آسيوية كبرى، مثل شركة هيونداي الكورية الجنوبية، من المناطق الحرة في الإسكندرية كمراكز لوجستية إقليمية ومراكز لتوزيع قطع الغيار.
كما تشهد قطاعات البنية التحتية التكنولوجية والاتصالات والصناعات الدوائية تدفقات استثمارية مستمرة بفضل انخفاض تكاليف الإنتاج وضخامة السوق المحلية المصرية.
ما فرص الاستثمار المشترك بين مصر ودول الآسيان؟
في الوقت الذي رسخت فيه الصين وكوريا الجنوبية شراكات استراتيجية قوية مع مصر، تبرز فرص واعدة في مجال الاستثمارات المشتركة بين مصر ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، ومن أبرزها:
1-إعادة توجيه سلاسل الإمداد والاستفادة من قواعد المنشأ
تتمتع دول الآسيان، مثل ماليزيا وفيتنام وإندونيسيا، باندماج كبير في سلاسل توريد الإلكترونيات وأشباه الموصلات وصناعة السيارات.
ويمكن لهذه الشركات إقامة مصانع مشتركة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بالاتحاد الأوروبي ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية والعالم العربي.
2- صناعة الحلال والتمويل الإسلامي
تمتلك ماليزيا وإندونيسيا خبرات رائدة في قطاع الحلال العالمي، مما يتيح فرصًا كبيرة للتعاون مع مصر في إنشاء منظومات متكاملة للصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل الحلال لتلبية احتياجات أسواق شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
3- التحول الرقمي والبنية التحتية اللوجستية الذكية:
تتمتع دول الآسيان باقتصادات رقمية متطورة وتقنيات متقدمة في الموانئ الذكية. ومع توجه مصر نحو رقمنة الخدمات البحرية والموانئ، تظهر فرص مهمة للشراكات في مجال الخدمات اللوجستية الذكية وإدارة الموانئ باستخدام الذكاء الاصطناعي.
4- تجارة السلع الزراعية والتكنولوجيا الخضراء
يمكن توسيع التعاون من خلال الاستثمارات المتبادلة في الصناعات التحويلية، حيث تتكامل خبرات الآسيان في زيوت النخيل والمطاط والتكنولوجيا الزراعية مع الصناعات المصرية في الأسمدة والكيماويات والاقتصاد الأخضر.
كيف تدعمون تحول مشروعات "الحزام والطريق" إلى مبادرات صديقة للبيئة؟
يتماشى تحول مشروعات الحزام والطريق من مشروعات البنية التحتية التقليدية إلى المبادرات البيئية الخضراء مع أهداف أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.
كما أن هذا التحول نحو التنمية المستدامة جعل "التحول الأخضر" أحد المحركات الاقتصادية الرئيسية في النسخة 3.0 من اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان التي تم التوصل إليها العام الماضي.
تشهد مصر توسعًا في مجال الهيدروجين الأخضر، فهل سنشهد شراكات آسيوية جديدة في هذا القطاع قريبًا؟
يُعد الهيدروجين الأخضر أحد الأصول الأكثر أهمية في التحول الأخضر على مستوى العالم.
ولجذب الشراكات الآسيوية، فإن تعزيز التواصل وبناء الثقة وسد فجوات التعاون يمثل الأساس الضروري لتطوير هذه الشراكات، والتي يمكن أن تمتد لتشمل دول الآسيان أيضًا.
كيف تردون على الانتقادات الغربية للمبادرة فيما يتعلق بما يسمى "فخ الديون"؟
لقد أثبتت مراكز أبحاث دولية مرموقة، مثل "تشاتام هاوس"، إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين، أن مزاعم "فخ الديون" لا تستند إلى أسس صحيحة، وأنها تمثل بناءً جيوسياسيًا يهدف إلى تشويه هذه المبادرة الاقتصادية الضخمة.
وفي نهاية المطاف، فإن مشروعات الحزام والطريق تقوم على احتياجات الدول المضيفة، وليست مشروعات تفرضها الصين وفق شروطها الخاصة.
كيف ترون مستقبل الشراكة بين الاتحاد الإفريقي ورابطة الآسيان؟
في إطار السعي لتحقيق رؤية الاتحاد الأفريقي، من المتوقع أن تتزايد أشكال التعاون الإيجابي مع رابطة الآسيان، وهي ضرورات استراتيجية من شأنها أن تمهد الطريق لشراكة فعالة ومثمرة بين الجانبين.
ما الحوافز التي يحتاجها المستثمر الآسيوي لزيادة استثماراته في السوق المصرية؟
لا يمكن اعتبار مجتمع المستثمرين الآسيويين كتلة واحدة متجانسة، إذ تختلف اهتماماتهم وأولوياتهم. ولا توجد قواعد ثابتة تحدد احتياجاتهم الاستثمارية بشكل موحد.
ومع ذلك، فإن الاستقرار السياسي، والنظام الضريبي الجاذب، وسياسات تسهيل التجارة، تظل من المقومات الأساسية التي ينظر إليها المستثمرون عند اتخاذ قراراتهم.
تمتلك مصر بنية تحتية وموانئ حديثة تؤهلها لتكون المركز اللوجستي الرئيسي للمبادرة في إفريقيا.. كيف ترون ذلك؟
نعم، بالتأكيد. إن توافر البنية التحتية الحديثة للموانئ يمنح مصر ميزة أساسية تؤهلها لتكون المركز اللوجستي الرئيسي. والأهم من ذلك هو الإدارة الفعالة والربط اللوجستي وتيسير التجارة، وهي عوامل تعزز تنافسية الموانئ. وتؤدي مبادرة الحزام والطريق دورًا داعمًا وممكّنًا في هذا السياق.
تمتلك مصر وآسيا تراثًا ثقافيًا عريقًا. كيف يمكن الاستفادة من "الحزام والطريق" لتعزيز السياحة الآسيوية إلى مصر؟
يُعد التواصل بين الشعوب أحد الركائز الخمس للترابط في إطار مبادرة الحزام والطريق.
ولتعزيز السياحة الآسيوية إلى مصر، أو السياحة المصرية إلى آسيا، ينبغي إطلاق المزيد من المبادرات الترويجية وبرامج التواصل بين القارات، مع الاستفادة من الانتشار الواسع الذي تحققه مبادرة الحزام والطريق.


