حتى لو كانت الثانوية العامة بريئة.. ماذا تعلمنا من وفاة جنى وكيف نحمي طلاب الامتحانات من الطوارئ القلبية؟| تقرير
لم يكن أحد داخل إحدى لجان الثانوية العامة في مدينة فاقوس يتوقع أن تتحول ورقة الأسئلة إلى آخر ما ستراه الطالبة جنى هاني إبراهيم عبد الرحمن، والتي دخلت اللجنة مثل آلاف الطلاب في أول أيام امتحانات الثانوية العامة، وبعد نحو ساعة واحدة، توقفت عضلة قلبها.
وفي الساعات التالية، انتشرت روايات كثيرة؛ البعض تحدث عن "خضة الامتحان"، وآخرون حملوا التوتر المسؤولية، بينما كشفت مصادر من الأسرة أن جنى كانت تعاني من أزمة صحية قبل الامتحان، وفقدت الوعي مرتين خلال الأيام الأخيرة، كما أن شقيقتها ريهام توفيت قبل عامين بالسبب المرضي نفسه، لكن خارج أجواء الثانوية العامة.
قد لا تكون الثانوية العامة هي التي أوقفت قلب جنى، ولكن ما حدث داخل اللجنة يجب ألا يمر باعتباره مجرد خبر مؤلم، فالواقعة أعادت طرح أسئلة ضرورية حول استعدادنا الصحي داخل المدارس، وحول الضغوط التي يعيشها الطلاب، وحول ثقافة التعامل مع الطوارئ.
تساؤلات عدة، مطروحة بعد تلك الواقعة: هل نحن مستعدون للتعامل مع أي أزمة صحية مفاجئة داخل لجان الامتحانات؟ وهل يحصل الطلاب على الحماية الصحية والنفسية الكافية قبل دخولهم واحدة من أكثر مراحل حياتهم ضغطًا؟
مأساة أسرة.. وجرس إنذار للجميع
بحسب مصادر مقربة من الأسرة، فإن وفاة جنى ليست أول فاجعة يعيشها والدها، فقبل عامين، فقد ابنته الكبرى "ريهام"، التي تعرضت لتوقف مفاجئ في عضلة القلب خلال وجودها داخل محل الأسرة، بينما كانت تقرأ القرآن، وهو ما يرجح -بحسب أطباء- وجود استعداد أو خلل وراثي في كهرباء القلب أو عضلته، وليس مجرد تأثير لحظي للتوتر، وهنا تتوقف القصة عن كونها خبرًا، لتتحول إلى سؤال يتعلق بالوقاية.
هل يمكن أن يحول التوتر أزمة صحية كامنة إلى خطر؟
مدير معهد القلب السابق، الدكتور جمال شعبان، يرى أن التوتر الشديد لا يخلق المرض من العدم، لكنه قد يكون عاملًا محفزًا لدى من لديهم استعداد مرضي.
ويقول شعبان خلال تصريحاته لـ القاهرة 24، إن الضغوط العصبية، والسهر الطويل، والإفراط في تناول المنبهات ومشروبات الطاقة، كلها تؤدي إلى إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والنورأدرينالين والكورتيزول، وهي قد تنشط خللًا وراثيًا في كهرباء القلب أو عضلته، أو تسبب تقلصًا حادًا في الشرايين التاجية وارتفاعًا مفاجئًا في ضغط الدم، بما قد ينتهي بأزمة قلبية لدى بعض الحالات.
وفي حالة جنى، يشير شعبان إلى أن وفاة شقيقتها بالسبب نفسه تجعل فرضية وجود خلل وراثي في كهرباء القلب أو عضلته أكثر ترجيحًا من الربط المباشر بين الوفاة والامتحان.
هل تبدأ الحماية من البيت؟
يرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، الدكتور تامر شوقي، أن كثيرًا من الضغوط التي يعيشها طلاب الثانوية العامة لا تأتي من الامتحان نفسه، وإنما من البيئة المحيطة به.
ويؤكد الخبير التربوي خلال حديثه مع القاهرة 24، أن بعض الأسر ترسخ لدى أبنائها منذ الصغر أن الثانوية العامة هي "معركة مصير"، وهو ما يضاعف الضغوط النفسية قبل دخول اللجان.
ويقدم شوقي مجموعة من النصائح للأسر، أبرزها:
- عدم تصوير الثانوية العامة على أنها نهاية الحياة أو محدد وحيد للمستقبل.
- تجنب مقارنة الطالب بزملائه أو أشقائه.
- عدم ربط انخفاض الدرجات بالفشل في الحياة.
- الابتعاد عن التهديد أو العقاب بسبب النتائج.
- التركيز على الجهد المبذول أكثر من النتيجة النهائية.
- عدم فرض أحلام الأسرة على الطالب أو إلزامه بكلية لا تناسب قدراته.
- دعم مواهب الأبناء خارج الدراسة؛ لأن شعور الطالب بقيمته في أكثر من مجال يقلل من الضغوط النفسية.
ويشدد الخبير التربوي تامر شوقي، على أن المطلوب من الأسرة هو تخفيف العبء، لا زيادته.
ماذا يحدث إذا سقط طالب داخل اللجنة؟
تؤكد مصادر بوزارة التربية والتعليم أن هناك خطة صحية موازية لخطة تأمين الامتحانات.
وتشمل الخطة تمركز سيارات الإسعاف بالقرب من اللجان أو في نقاط تغطي أكثر من لجنة، ورفع جاهزية المستشفيات، ووجود زائرة صحية أو طبيب في عدد من المدارس أو بالتنسيق مع الإدارات الصحية، فضلًا عن تجهيز غرف للإسعافات الأولية، والتنسيق المستمر بين غرف العمليات وهيئة الإسعاف للتعامل مع أي طارئ.
وقد ظهر ذلك بالفعل خلال اليوم الأول للامتحانات، بعدما تعاملت المنظومة مع أكثر من حالة طارئة، سواء لمعلمين تعرضوا لوعكات صحية في المنيا وقنا، أو مع حالة الطالبة جنى، حيث انتقلت سيارة الإسعاف فور الإبلاغ عنها، ونُقلت إلى المستشفى، إلا أنها توفيت متأثرة بتوقف عضلة القلب.
هل رؤساء اللجان مؤهلون طبيًا؟
ورغم أن الواقعة أعادت هذا السؤال إلى الواجهة، فإن مصادر أوضحت أن رؤساء اللجان ليسوا بالضرورة مدربين تدريبًا طبيًا أو معتمدين في الإسعافات الأولية.
لكنهم يتلقون تعليمات واضحة للتعامل مع الطوارئ، تبدأ بإيقاف أي إجراء قد يهدد سلامة الطالب، وإبلاغ غرفة العمليات، واستدعاء الزائرة الصحية أو الطبيب إن وجد، ثم الاتصال بالإسعاف فورًا، مع تنظيم خروج الحالة من اللجنة وتحرير محضر بالواقعة.
أما التدخل الطبي، مثل الإنعاش القلبي الرئوي أو التشخيص أو إعطاء العلاج، فهو مسؤولية الأطقم الطبية وهيئة الإسعاف.
هل نحتاج إلى خطوة إضافية؟
ورغم وجود منظومة صحية للتعامل مع الطوارئ، فإن خبراء يرون أن الوقاية قد تبدأ قبل الامتحان نفسه، فالتوعية بالأعراض التي تستوجب عدم ذهاب الطالب إلى اللجنة، ونشر ثقافة الإنعاش القلبي الرئوي بين العاملين في المدارس، والتوسع في التدريب على الإسعافات الأولية، وتخفيف الضغوط النفسية عن الطلاب، قد تكون إجراءات لا تقل أهمية عن تأمين أوراق الأسئلة، كما يشير الدكتور جمال شعبان.
ويؤكد مدير معهد القلب السابق، أن أول دقائق بعد توقف القلب قد تكون الفاصل بين الحياة والموت، مشددًا على أهمية نشر ثقافة الإنعاش القلبي الرئوي، بحيث يكون التصرف الأول عند سقوط أي شخص فاقدًا للوعي هو البدء في تدليك عضلة القلب بالطريقة الصحيحة حتى وصول سيارة الإسعاف، بدلًا من الاكتفاء بالتجمع حوله.


