الدبلوماسي الباكستاني السابق جاويد حفيظ: صقور أمريكا وإيران يقودون التصعيد.. وإسرائيل تعرقل أي تفاهم ولن تهدأ بوجود قوة إقليمية | حوار
أسابيع قليلة فقط عاشها العالم والمنطقة من الهدوء النسبي، قبل أن تعود أجواء التوتر مجددًا وتلوح في الأفق مرحلة أكثر ضبابية، ليقف العالم مرة أخرى على حافة مواجهة مفتوحة مع تجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وانهيار جزئي لـ الهدنة الهشة التي أعقبت التفاهمات المؤقتة بين الطرفين.
فبينما تؤكد واشنطن أنها تتحرك لحماية مصالحها وردع طهران، ترى إيران أن التصعيد الأمريكي يمثل تهديدًا لأمنها وسيادتها، لتدخل المنطقة من جديد في دائرة من التوترات المتصاعدة التي تهدد بإشعال صراع أوسع قد يتجاوز حدود الطرفين.
وفي قلب هذه المواجهة يبرز ملف مضيق هرمز، ومستقبل المسار الدبلوماسي الذي بات معلقًا بين خيار العودة إلى طاولة المفاوضات، أو الانزلاق نحو مواجهة طويلة الأمد قد تتسع رقعتها وتشمل مناطق أخرى من العالم.
وفي ظل هذه التطورات، تطرح العديد من التساؤلات حول فرص احتواء التصعيد، ودور الوسطاء الإقليميين، وما إذا كانت الضربات الأخيرة تمثل نهاية المسار السياسي، أم أنها مجرد جولة جديدة من التفاوض تحت النار لفرض شروط أكثر صرامة على طاولة المفاوضات.
ويكشف السفير جاويد حفيظ، الدبلوماسي الباكستاني السابق ورئيس مركز إسلام آباد للدراسات السياسية، في حواره مع القاهرة 24، عن مستقبل المواجهة الأمريكية الإيرانية، ودور باكستان ومصر ودول الرباعية في جهود التهدئة، ومحاولة إسرائيل لإشعال فتيل الأزمة وإيقاد نار الحرب، وأزمة مضيق هرمز، وقصف طهران لدول الخليج وتداعيات ذلك مستقبلا، وما إذا كانت المنطقة قادرة على تجنب حرب أوسع، أم أنها تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة من الصراع، وغيرها من المحاور الأخرى، وإلى نص الحوار..
س: بعد إعلان ترامب انتهاء مذكرة التفاهم.. هل نرى الآن انهيارًا كاملًا للمسار السياسي بين واشنطن وطهران؟
أعتقد أن الاشتباكات الحالية ليست سوى مناورات يقودها الصقور في كلا الطرفين الأمريكي والإيراني، ولن تتسبب في إفشال الجهود الدبلوماسية، لأن الطرفين ودول المنطقة في حاجة ماسة إلى إحلال السلام والاستقرار، كما أن المجتمع الدولي يؤيد هذا التوجه، وفي الوقت نفسه، يسعى الرئيس ترامب إلى الظهور بمظهر المنتصر، كما تريد إيران أيضًا أن تبدو في ذات الموقع، وهو ما يمثل جوهر المشكلة.
س: هل تعتقد أن تضارب الأولويات هو اللغم الحقيقي الذي أفشل جهود الوسطاء وأطاح بالاتفاق الهش؟
نعم، فتفاصيل مذكرة التفاهم بين الطرفين لا تزال تشهد كثيرًا من الاختلاف، لا سيما فيما يتعلق بتجاهل ملف مضيق هرمز وآلية إدارته، وهو ما جعله الآن في قلب الأزمة وعين العاصفة.
س/ إيران ردت باستهداف دولًا خليجية.. ما هي الأبعاد الاستراتيجية لهذا الاختيار الإيراني وكيف يؤثر على الأمن القومي لدول الخليج؟
دول الخليج ليست طرفًا في هذه الحرب العبثية، بل تجد نفسها واقعة بين نارين، وتدفع ثمن موقعها الجغرافي، ولو أقدمت إيران على استهداف القطع البحرية الأمريكية في المياه المفتوحة، لاتسعت رقعة الحرب بشكل أكبر، وهو سيناريو تسعى إيران، في تقديري إلى تفاديه.
وبرأيي، فإن استهداف إيران لدول الخليج يُعد خطأً ترتكبه طهران، وستكون لهذا الخطأ تداعيات بعيدة المدى.
س: إلى أي مدى يستطيع ترامب المضي في هذه الحرب دون الحاجة لموافقة الكونجرس؟
نرى تحولًا نوعيًا في موقف دول حلف الناتو، إذ إن الأوضاع الراهنة في مضيق هرمز دفعت أعضاء الحلف إلى دعم موقف الرئيس ترامب تجاه المضيق، وتبرير الضربات الأمريكية، والتأكيد أنها كانت مهمة وضرورية، كما أن قادة الدول الأوروبية يسعون أيضًا إلى إرضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأظن أن الرئيس ترامب لا يحتاج إلى موافقة الكونجرس لتوجيه الضربات على إيران، لأنه خاض الحرب ضد طهران قبل ثلاثة أشهر دون الحصول على موافقة الكونجرس، ولا أرى أن هناك حاجة للرجوع إليه في الوقت الحالي.
س: بصفتكم دبلوماسيًا باكستانيًا سابقًا.. ما هي الأوراق المتبقية في يد إسلام آباد لإعادة إحياء تلك الوساطة؟
بالتأكيد، فقد لعبت باكستان دورًا محوريًا في احتواء التصعيد والإسهام في إعلان الهدنة، لكننا نلاحظ الآن أن الطرفين يتجهان مجددًا نحو التصعيد، وهو ما يشير إلى أننا قد نكون مقبلين على العودة إلى المربع الأول من جديد.
كما أصبح دور إسلام آباد أكثر أهمية في كبح جماح التصعيد، ولا أرى أن هناك دولة أخرى يمكنها أن تؤدي هذا الدور بالشكل نفسه.
س: جرى تنسيق وثيق بين باكستان ومصر وغيرها من دول المنطقة لنقل الرسائل بين البيت الأبيض وطهران.. كيف ترون دور القاهرة الحالي في محاولة كبح جماح هذا التصعيد السريع؟
التنسيق بين باكستان ومصر أصبح ملفتًا منذ تدهور الأوضاع في المنطقة، فمصر تمتلك دورًا كبيرًا في العالمين العربي والإسلامي، كما أن التشاور الرباعي بين مصر وباكستان وتركيا والسعودية مستمر منذ بداية التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة.
ومصر دولة ذات حضارة عريقة، وتقع في قارتين، وهي دائمًا مستعدة للقيام بدور إيجابي وبنّاء من أجل تحقيق السلام والاستقرار، وهناك مشاعر من المحبة والاحترام المتبادل بين القاهرة وإسلام آباد، وهو ما يمثل مؤشرًا إيجابيًا لمستقبل المنطقة.
وستواصل مصر وباكستان العمل معًا من أجل كبح جماح التصعيد، ودعم جهود تحقيق الازدهار، ولن تسمحا بانزلاق المنطقة نحو الفوضى بأي حال من الأحوال.
س: يرى مراقبون أن إسرائيل تمارس ضغوطًا لدفع واشنطن نحو إفشال الاتفاق.. كيف تقرؤون موقف تل أبيب المستفيد من ضرب البنية التحتية العسكرية والاقتصادية لطهران؟
لقد أعلنت إسرائيل مرارًا وتكرارًا أنها تريد القضاء على جميع المقومات الإيرانية، ومنذ البداية تلعب تل أبيب على ورقة المظلومية، وتستخدمها للتأكيد على أنها مستهدفة من جميع الدول المجاورة، وهي سردية تبدو غريبة وذلك في ظل ما يحدث على أرض الواقع.
خاصة وأنه في المقابل، ارتكبت إسرائيل مجازر جماعية في قطاع غزة، وانتهكت حقوق الفلسطينيين بشكل يومي، إضافة إلى استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية في انتهاك للشرعية الدولية.
ولا بد أن أؤكد هنا أن إسرائيل لن تهدأ في ظل وجود أي دولة قوية في المنطقة، وستحاول إفشال مذكرة التفاهم، وهذا يمثل هدفًا رئيسيًا بالنسبة لها.
س: نقلت مواقع أمريكية شهيرة بأن تقارير إسرائيلية حذرت ترامب بوجود خطة إيرانية لاغتياله.. لماذا هذه التقارير في تلك التوقيت؟
هذا صحيح، وهو مثال آخر على وجود رغبة شديدة لدى تل أبيب في توسيع الفجوة بين إيران والولايات المتحدة، والدفع باتجاه مزيد من التصعيد، كما يحاول الرئيس ترامب استغلال مثل هذه التسريبات والتقارير من أجل كسب تعاطف الناخبين الأمريكيين، خاصة أن انتخابات التجديد النصفي ليست بعيدة التوقيت.
س: هل يهدف العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان إلى إجهاض أي فرصة لتقارب دائم بين أمريكا وإيران؟
نعم
س: هل تمتلك إيران القدرة الفعلية على فرض حصار بحري طويل؟
إيران لا تمتلك القدرة على فرض حصار بحري طويل الأمد، كما لا يحق لها فرض أي ضرائب أو رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز، لأن ذلك يتعارض مع قانون البحار المعمول به دوليًا، وكذلك المجتمع الدولي يرفض بشكل واضح فكرة فرض هذه الرسوم، كما تعارض الصين هذا التوجه، رغم كونها أكبر مستورد للنفط الإيراني، وفي ظل استمرار هذه التطورات، فإن تدويل المشكلة يبقى احتمالًا واردًا بشكل كبير.
س: ما هي الصيغة التوافقية الوحيدة القابلة للحياة والتي يمكن أن تجلس عليها واشنطن وطهران مجددًا؟
لست متفائلًا، ما دامت إسرائيل لم تنسحب من لبنان ولم تمنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وأي هدنة في منطقة الخليج ستظل غير مستدامة، وربما تبقى هشة ما لم تُعالج جذور الأزمات القائمة.



