شهادات تكسر الصمت.. رئيس وحدة الدراسات بشؤون الأسرى الفلسطينية يكشف مدى وحشية الاحتلال بحق المعتقلين| حوار
الانتهاكات ليست وليدة السابع من أكتوبر.. لكنها شهدت تصاعدًا لافتًا خلال الحرب.
الصمت الطويل فرضته الوصمة الاجتماعية والخوف من تبعات الإفصاح.
شهادات تتحدث عن أنماط متعددة من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز.
رجال ونساء وأطفال تعرضوا لأشكال متفاوتة من العنف والإذلال الجنسي.
دعوات إلى تحقيق دولي مستقل ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الموثقة.
التأهيل النفسي والدعم القانوني ضرورة لمساندة الضحايا بعد الإفراج.
ظل ملف الاعتداءات والانتهاكات ذات الطابع الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في سجل الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، إذ أحاط به لسنوات طويلة جدار من الصمت فرضته طبيعة هذه الجرائم، وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا، إلى جانب الخشية من الوصمة المجتمعية وصعوبة البوح بتفاصيلها.
غير أن التطورات التي أعقبت اندلاع الحرب على قطاع غزة، وما رافقها من شهادات متزايدة لأسرى محررين، وتقارير صادرة عن مؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية، أعادت هذا الملف إلى واجهة الاهتمام، وأثارت تساؤلات واسعة حول حجم الانتهاكات، وآليات توثيقها، وسبل محاسبة المسؤولين عنها في إطار القانون الدولي.
في حواره مع القاهرة 24، فتح عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين التابعة للسلطة الفلسطينية، هذا الملف الشائك، متناولًا الخلفيات التي دفعته إلى الخوض فيه رغم حساسيته البالغة، وأسباب بقائه بعيدًا عن دائرة النقاش العلني لسنوات، كما يستعرض ما تضمنته الشهادات والإفادات والتقارير الحقوقية بشأن انتهاكات ذات طابع جنسي داخل أماكن الاحتجاز، وانعكاساتها الإنسانية والنفسية على الضحايا.
وإليكم نص الحوار…
س: بدايةً.. لماذا قررت التطرق إلى ملف الاعتداءات الجنسية بحق الأسرى الفلسطينيين رغم حساسيته الشديدة؟
طوال سنوات عملي في توثيق قضايا الأسرى كتبت مئات الدراسات والمقالات والتقارير المتعلقة بواقعهم داخل السجون الإسرائيلية، لكنني كنت أتحاشى الخوض بصورة مباشرة في ملف الاعتداءات الجنسية، ليس لأنه غير موجود، وإنما بسبب حساسيته وتعقيداته الإنسانية والاجتماعية. كانت هناك شهادات متفرقة وإشارات محدودة، إلا أن الضحايا كانوا يترددون في الحديث، كما كانت المؤسسات الحقوقية تتعامل مع هذه الإفادات بحذر شديد حفاظًا على خصوصية أصحابها.
اليوم، وبعد الكم الكبير من الشهادات والتقارير التي ظهرت منذ اندلاع الحرب على غزة، لم يعد من الممكن تجاهل هذا الملف أو إبقاؤه بعيدًا عن النقاش، لأن ما يجري -وفق ما تم توثيقه في شهادات وتقارير حقوقية- يمثل أحد أخطر أشكال الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون.
س: هل يمكن القول إن هذه الجرائم بدأت بعد السابع من أكتوبر 2023؟
لا، من الخطأ اختزال القضية في الحرب الأخيرة فقط، الاعتداءات والإهانات ذات الطابع الجنسي كانت موجودة، ولكن بدرجات متفاوتة منذ عقود، سواء خلال التحقيق أو الاعتقال أو داخل السجون، والجديد هو حجم هذه الانتهاكات واتساعها، إضافة إلى تكرار الشهادات التي تتحدث عن أنماط متشابهة من الممارسات خلال الحرب الحالية، وهو ما يجعل هذا الملف أكثر خطورة من أي وقت مضى.
لقد تغير المشهد بصورة كبيرة، فبينما كانت هذه الوقائع في السابق توصف باعتبارها حالات محدودة أو فردية، فإن ما تضمنته الشهادات الحديثة يشير إلى تصاعد ملحوظ يستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا.
س: لماذا بقي هذا الملف طي الكتمان طوال هذه السنوات؟
لأن الضحية كانت تواجه معاناة مضاعفة، إلى جانب الألم النفسي والجسدي، هناك الخوف من نظرة المجتمع، ومن الوصمة الاجتماعية، ومن التأثير على الحياة الأسرية والشخصية. كثير من الأسرى كانوا يفضلون الصمت، معتبرين أن كتمان ما تعرضوا له أقل ألمًا من الحديث عنه.
كما أن المؤسسات المختصة كانت تراعي الظروف النفسية والاجتماعية للضحايا، ولذلك لم يكن كل ما يرد في الشهادات يُنشر أو يُعلن، رغم أنه كان محفوظًا ضمن ملفات التوثيق.
س: ما أبرز صور الانتهاكات التي رصدتموها في شهادات الأسرى؟
الشهادات تتحدث عن طيف واسع من الانتهاكات، من بينها التعرية القسرية، والتفتيش العاري، والإذلال الجنسي، والتهديد بالاغتصاب، والتحرش اللفظي والجسدي، وصولًا إلى وقوع حالات اغتصاب واعتداءات جنسية موثقة في تقارير حقوقية وشهادات مباشرة.
كما تتضمن الإفادات ممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية، وهو ما يجعلها، انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية التي تحظر التعذيب والعنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة وداخل مراكز الاعتقال والاحتجاز.
س: هل اقتصرت هذه الانتهاكات على الرجال؟
إطلاقًا؛ الشهادات التي وثقتها هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية المختلفة تتحدث عن رجال ونساء وأطفال وفتيات تعرضوا لأشكال متفاوتة من الإهانة والتحرش أو الاعتداء الجنسي، وهو ما يؤكد أن القضية لا ترتبط بفئة بعينها، بل تمس كل من مرّ بتجربة الاعتقال في سجون الاحتلال.
س: التقرير الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تضمن شهادات وُصفت بأنها من أكثر الشهادات فظاعة منذ بدء الحرب على قطاع غزة.. كيف تقرأون ما ورد فيه؟
عندما نقرأ هذه الشهادات لا نتعامل مع مجرد روايات عن سوء معاملة داخل أماكن الاحتجاز، وإنما أمام اتهامات بالغة الخطورة تتعلق بارتكاب اعتداءات جنسية وتعذيب بحق مدنيين وأسرى فلسطينيين. ما يلفت الانتباه أن التقرير لم يكتفِ بالإشارة إلى وقائع عامة، بل أورد شهادات تفصيلية لضحايا، ذكور وإناث، تحدثوا بمرارة عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها، وهو ما يمنح هذه الإفادات أهمية كبيرة من الناحية الحقوقية والقانونية.
كما أن تلك الشهادات التي وثقها المركز الفلسطيني لا تأتي بمعزل عن غيرها، بل تتقاطع مع ما وثقته هيئة شؤون الأسرى والمحررين ومؤسسات حقوقية عديدة، فلسطينية وإسرائيلية ودولية، بالإضافة إلى تقارير أممية تحدثت عن التحرش الجنسي واعتداءات تتعلق بالتعذيب والعنف الجنسي داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلي، الأمر الذي يثير مخاوف جدية ويعكس وجود نمط من الانتهاكات الجسيمة والاعتداءات الجنسية الممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين، ذكورًا وإناثًا.
يُذكر أن تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تضمن شهادات مفزعة تتعلق بحالات اغتصاب ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية بحق مدنيين فلسطينيين، جرى اعتقالهم من مناطق متفرقة في قطاع غزة خلال الحرب. بين هذه الحالات، ن.أ، وهي امرأة وأم فلسطينية تبلغ من العمر 42 عاما، اعتقلت في أثناء مرورها عبر أحد الحواجز الإسرائيلية التي كانت مُقامة في شمال قطاع غزة في نوفمبر 2024. وفي إفادتها للمركز تحلّت السيدة بدرجة عالية من الجرأة، وتحدثت بصراحة فائقة عن تعرضها لعدة أنماط من التعذيب والعنف الجنسي، شملت اغتصابها "الحقيقي" أربع مرات على يد جنود إسرائيليين، إلى جانب تعرضها للتعرية لبضعة أيام، والشتم بألفاظ نابية بصورة متكررة، وتصويرها وهي عارية، وفقا لروايتها.
وفي شهادة أخرى، يسرد أب فلسطيني يبلغ من العمر 35 عاما، بأنه تعرض للاعتقال أثناء وجوده في مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة في مارس 2024، وعلى مدار 19 شهرا من الاعتقال، تعرض لأساليب تعذيب قاسية، بما فيها التعرية والتهديد باغتصابه واغتصاب عائلته، وصولًا إلى اغتصابه "الحقيقي" من كلب مدرب داخل معتقل "سيديه تيمان" الواقع في صحراء النقب.
س: تشيرون إلى أن ما بعد الحرب يمثل مرحلة مختلفة.. كيف تفسرون ذلك؟
لأن طبيعة الشهادات وعددها، وفظاعة روايات المُفرج عنهم، إضافة إلى ما وثقته هيئة شؤون الأسرى والمحررين وما صدر عن منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية، تعكس تغيرًا واضحًا في حجم الانتهاكات المبلغ عنها، ونحن أمام مرحلة شهدت تزايدًا في التقارير التي تتحدث عن ممارسات بالغة القسوة، توصف بانها جرائم وفقا للقانون الدولي، وهو ما يجعلها، من وجهة نظرنا، امتدادًا لما يصفه الفلسطينيون بحرب الإبادة على قطاع غزة.
س: كيف تصف ما جرى داخل بعض مراكز الاعتقال وعلى رأسها معسكر "سيديه تيمان"؟
ما ورد في شهادات الأسرى والمحامين والتقارير الحقوقية بشأن هذا المعسكر يعكس مستوى بالغ الخطورة من الانتهاكات، وهذه الإفادات تشير إلى ممارسات وصفت بأنها تعذيب ممنهج وعنف جنسي، في إطار سياسة رسمية، وهو ما يستدعي تدخلًا دوليًا عاجلً، وتحقيقًا مستقلًا ومساءلة المسؤولين عنها.
س: تحدثت عن أن هذه الجرائم أصبحت أكثر انتشارًا خلال الحرب.. ما الذي يدفعك إلى هذا التقييم؟
لأننا أمام عدد كبير من الشهادات المتشابهة والمتقاربة في مضمونها، ونكاد نقرأ في كل شهادة أسير/ة واقعة تحرش واعتداء جنسي أو اغتصاب، ومن يقرأ أو يسمع تلك الشهادات يُصاب بالذهول والصدمة، إضافة إلى ما صدر عن هيئة شؤون الأسرى والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية، وهو ما يعكس أن هذه الاحداث لم تعد حالات استثنائية أو فردية معزولة كما كانت من قبل، بل أصبحت أحداثا مُكررة وظاهرة تتسع، وموضع توثيق مستمر يستوجب التحقيق والمحاسبة.
س: ما الأثر الذي تتركه هذه الجرائم على الضحايا؟
آثارها تتجاوز الإصابات الجسدية إلى أضرار نفسية واجتماعية عميقة قد تستمر سنوات طويلة، وكثير من الضحايا يظلون يعانون من تبعات هذه التجارب حتى بعد الإفراج عنهم، وهو ما يجعل توفير الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة ملحة.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في هذه الجرائم أنها تستهدف كرامة الإنسان بشكل مباشر، وتترك آثارًا نفسية وجسدية قد تلازم الضحايا مدى الحياة.
س: إلى أي مدى لعبت التقارير الحقوقية والإعلامية دورًا في كشف هذه الوقائع؟
لعبت دورًا مهمًا ومحوريًا. فالتقارير الحقوقية، إلى جانب شهادات المحامين والأسرى المحررين، وما نقلته وبثته وسائل الإعلام المختلفة من تقارير مقروءة ومرئية، أسهمت في كسر حاجز الصمت، وشجعّت عددًا أكبر من الضحايا على الإدلاء بإفاداتهم والكشف عما تعرضوا إليه وما لحق بهم من أذى جسدي ونفسي، وهذا التطور مهم لأنه يفتح الباب أمام توثيق أكثر شمولية ودقة، ويساعد على بناء ملفات قانونية يمكن الاستناد إليها أمام الجهات القضائية الدولية، مما قد يساهم في وضع حد لها.
س: هناك من يرى أن هذه الجرائم تترك آثارًا تتجاوز فترة الاعتقال.. ما تعليقكم؟
هذا صحيح. الأثر لا ينتهي بالإفراج عن الأسير، بل يمتد إلى سنوات طويلة، وربما يلازم الضحية طوال حياته. الحديث هنا لا يقتصر على الإصابات الجسدية، وإنما يشمل الصدمات النفسية والآثار الاجتماعية، ولذلك فإن الضحايا يحتاجون إلى برامج متخصصة للدعم النفسي وإعادة التأهيل، وإلى بيئة مجتمعية تتعامل معهم باعتبارهم ضحايا لانتهاكات جسيمة، لا أن تضيف إلى معاناتهم أعباء جديدة.
س: ما الذي يحتاجه الضحايا اليوم؟
أولًا، يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة للحديث دون خوف أو شعور بالذنب، وإلى من يحفزهم على البوح، ولمَن يُسمعهم أن الأمر لم يكن خطأهم، ولمَن يُفهِمهم أن هذا ليس وصما أو عارا.
وثانيًا، إن هؤلاء الضحايا من الفلسطينيين بحاجة إلى رعاية صحية ونفسية متخصصة، إضافة إلى احتضان اجتماعي يحفظ كرامتهم. كما يحتاجون إلى دعم قانوني وحقوقي يضمن توثيق شهاداتهم بطريقة مهنية يمكن الاستفادة منها في أي إجراءات قضائية مستقبلية.
س: ما المطلوب من المجتمع الدولي؟
تعتبر الجرائم الجنسية، من أبشع الجرائم المُرتكبة بحق الإنسان وكرامته، من منظور القانون الدولي، لذا المطلوب هو الانتقال من مرحلة إبداء القلق إلى مرحلة اتخاذ إجراءات عملية، عبر تشكيل لجان تحقيق مستقلة، وتمكين المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من الوصول إلى أماكن الاحتجاز والاعتقال، وضمان الرقابة على أوضاع الأسرى، والتحقيق في جميع الادعاءات المتعلقة بالتعذيب والعنف الجنسي وفق المعايير القانونية الدولية، بما يضمن حماية الضحايا ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، كما وأن توثيق هذه الشهادات يمثل خطوة أساسية لحفظ الأدلة.
س: ما الرسالة التي تود توجيهها في ختام هذا الحوار؟
رسالتي أن حقوق الإنسان وكرامته لا تتجزأ، وأن أي ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو العنف الجنسي تستوجب تحقيقًا مستقلًا ونزيهًا ومساءلة وفق القانون الدولي. كما أن الضحايا يستحقون الحماية والدعم والإنصاف، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية، لأن العدالة هي الضمانة الأساسية لحماية الضحايا ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلًا.









