جدعنة بالإيطالي
الجدعنة مالهاش وقت، ولا مكان، ولا جنسية، ولا مرتبطة بسن معين.. يمكن بس العنصر المشترك بين كل الجدعان اللي سمعت عنهم أو قابلت جدعنتهم بنفسك في مواقف شخصية هو شعور الامتنان اللا محدود اللي بتحس بيه تجاه أصحاب المواقف دي.. من حوالي 8 سنين في إيطاليا وتحديدًا في مقاطعة باليرمو كان فيه ضابط شرطة اسمه جوزيبي رومانو.. "جوزيبي" ضابط لطيف ومحبوب من كل زمايله في الشغل ومن جيرانه ومن كل اللي كانوا بيتعاملوا معاه.. جزء كبير من محبة الناس له كان أساسها إنه كان راجل لما بيتعاز بيتلاقى.. يعني مستحيل تطلب منه طلب سواء كنت زميله أو جاره ويقصر معاك في تنفيذه.. طب ولو كان الطلب يفوق إمكانياته أو مش في تخصصه؟.. كان بيستخدم علاقاته الحلوة بالناس اللي تقدر تساعد ويكون حلقة الوصل بين اللي عايز وبين اللي يقدر يخدم.. نموذج إنساني من الدرجة الأولى.
في واحد من أيام إجازاته كان جوزيبي بيقلم الشجرة اللي موجودة في جنينة بيته ومتشعلق عليها، وفجأة اختل توازنه ووقع على راسه وجاله نزيف ومات للأسف!.. خبر صادم وقاسي وموجع لكل اللي يعرفوه.. المشكلة الكبيرة إنه لما مات ساب وراه مراته رومانو و7 أطفال بدون عائل غيره!.. المشكلة الأكبر كمان إنه أصلًا كان واخد قرض من البنك وقيمة القسط الشهرى بتاعه كانت 800 يورو.. طبعًا الموضوع كان صعب على مراته اللى ماكانتش بتشتغل أساسًا بس وبسبب ضيق الحال والزنقة اللي فيها هي وأولادها عملت إعلان على ورق ولفت تلزقه في كل شوارع المدينة إنها محتاجة أي وظيفة صغيرة.
الضباط زمايل جوزها شافوا الإعلان وقرروا إنهم يتكفلوا بسداد قيمة قرض زميلهم وكل مصاريف أولاد زميلهم الـ 7.. تفاصيل تنفيذ القرار ده أخد بالظبط 48 ساعة وكان القرض متسدد ومصاريف الأولاد خلصانة وكمان وهما في نص التنفيذ قرروا يزودوا تفصيلة صغيرة وهي إن يكون فيه مبلغ شهري ثابت لأسرة "جوزيبي" يصرفوا منه.. كل ده بتكاتف زمايل العمل مش من الوزارة التابع ليها ولا من الدولة!.. جدعنة زمايله فقط لا غير.. جابرييل ماركيزي قائد الشرطة البلدية في باليرمو قال في تصريحات صحفية: كنا نريد أن نقدم مساعدة عملية لأفراد أسرة زميل لنا، فقد قام بكثير من التضحيات من أجل عيش أسرته في ظروف جيدة، ونحن نريد أن نضمن مستقبلًا هادئًا لهؤلاء الأطفال.
الناس في وقت الوجع والكسرة مش محتاجة طبطبة بالكلام ولا وعود في الهوا.. الناس بتبقى محتاجة أفعال على الأرض تطمنهم إنهم مش لوحدهم، وإن ضهرهم لسه متسند، وإن الدنيا مهما قسيت لسه فيها خير بيعوض.. الكل بيعرف إزاي يتكلم كويس، بس مش الكل بيعرف إزاي يتصرف كويس.. المواقف هي الغربال اللي بيصفي، وبيكشف مين اللي كتافه بجد تسد، ومين اللي مجرد ضل خفيف بيختفي أول ما تغيب الشمس.. اللي بيزرع خير بيسيب وراه حيطة سد تحمي حبايبه من بعده.. السيرة الطيبة والأفعال الحقيقية هما الرصيد اللي مابينقصش، والستر اللي بيفضل يحرسنا.. الجدعنة مش بالكلام، والأصل مش بالمنظرة، ونضافة القلب مش بتبان إلا في المواقف.


