السبت 05 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

بعد القرارات الأخيرة.. ترقب لمصير وليد جمال الدين في اقتصادية قناة السويس | هل يجدد له؟

المهندس وليد جمال
سياسة
المهندس وليد جمال الدين
الإثنين 10/أغسطس/2026 - 09:37 م

مع اقتراب موعد التجديد السنوي للمهندس وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لم يعد كافيًا أن يقتصر تقييم السنوات الماضية على حجم الاستثمارات المعلنة أو عدد الاتفاقيات التي وقعتها الهيئة، فبعد سنوات من النشاط الترويجي المكثف، أصبح السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت المنطقة نجحت في التحول من جهاز قوي لجذب المشروعات والإعلان عنها إلى مؤسسة قادرة بالكفاءة نفسها على تنفيذها وتشغيلها وخدمة المستثمر بعد وصوله.

واللافت في خطاب الهيئة خلال السنوات الأخيرة هو الحضور الطاغي لمؤشرات الجذب والتعاقد والترويج: مشروع جديد، ومذكرة تفاهم جديدة، وجولة ترويجية جديدة، ومستثمر جديد، ومليارات جديدة من الاستثمارات المستهدفة أو المتعاقد عليها. وهو خطاب يعكس نشاطًا تسويقيًا واضحًا، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال قياس الأداء الفعلي لهيئة اقتصادية بهذا الحجم.

سجل قوي بالأرقام.. ولكن ماذا تقيس الأرقام؟

لا يمكن إنكار أن الإدارة الحالية حققت أرقامًا قوية. فالهيئة أعلنت إيرادات بلغت 15.9 مليار جنيه في العام المالي 2025/2026، بزيادة 37% عن العام السابق، منها 246 مليون دولار إيرادات دولارية. كما أعلنت التعاقد خلال العام وحده على 117 مشروعًا جديدًا باستثمارات 7.26 مليار دولار، ليصل إجمالي المشروعات المتعاقد عليها خلال السنوات الأربع الماضية إلى 412 مشروعًا باستثمارات 16.4 مليار دولار.

لكن رقم الإيرادات يحمل مقارنة أخرى تستحق التوقف. فقد كانت الموازنة تستهدف إيرادات بنحو 10.5 مليار جنيه فقط، بما يعني أن المتحقق تجاوز المستهدف بنحو 51%.

للوهلة الأولى، يبدو هذا التجاوز مؤشرًا استثنائيًا على قوة الأداء. لكن الفجوة الكبيرة بين المستهدف والمتحقق تفتح احتمالين مختلفين: إما أن النشاط الاقتصادي للهيئة حقق نموًا استثنائيًا لم يكن متوقعًا عند إعداد الموازنة، وإما أن الموازنة الأصلية بُنيت على تقديرات شديدة التحفظ، بما يجعل نسبة التجاوز أقل دلالة على كفاءة الأداء التشغيلي مما توحي به عند عرضها منفردة.

ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية في ضوء ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات على دقة إعداد الموازنات الاستثمارية للهيئة، والتي أشار فيها إلى «عدم الدقة في إعداد الموازنات الاستثمارية». وهذه الملاحظة لا تكفي بذاتها للقول إن تقديرات الإيرادات تعاني القصور نفسه، لكنها تجعل التساؤل عن منهجية إعداد الموازنة ومدى واقعية مستهدفاتها تساؤلًا مشروعًا.

وهنا يصبح السؤال ليس فقط: كيف تجاوزت الهيئة مستهدف الإيرادات بنسبة 51%؟ وإنما أيضًا: لماذا كان المستهدف 10.5 مليار جنيه بينما انتهى العام عند 15.9 مليار؟ وما الافتراضات التي بُني عليها الرقم الأصلي؟ وهل تتكرر فجوات كبيرة بين المستهدف والمتحقق في موازنات السنوات السابقة؟

وتزداد حساسية هذه الأسئلة مع تزامن إعلان نسبة التجاوز الكبيرة مع مناقشة مجلس الإدارة للمؤشرات المالية للهيئة واقتراب موعد التجديد لرئاستها؛ إذ يصبح الفصل بين جودة الأداء الفعلي وجودة المستهدف الذي يقاس الأداء على أساسه ضروريًا لأي تقييم موضوعي للإدارة.

من الإعلان إلى التنفيذ: أسئلة بلا إجابات كاملة

الـ16.4 مليار دولار استثمارات متعاقد عليها ليست بالضرورة 16.4 مليار دولار تم ضخها بالفعل على الأرض. وكذلك فإن الـ145 ألف فرصة عمل التي تتحدث عنها بيانات الهيئة الأخيرة ليست بالضرورة كلها وظائف قائمة بالفعل، وإنما تشمل فرصًا مرتبطة بالمشروعات ومراحل تنفيذها.

وفي المقابل، تتحدث «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» عن أكثر من 100 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة نتجت عن التوسع الصناعي والخدمي في المنطقة. ولا يتضح من البيانات المنشورة ما إذا كان الاختلاف بين الرقمين ناتجًا عن اختلاف الفترة الزمنية، أو منهجية الاحتساب، أو دخول مشروعات جديدة، وهو ما يعيدنا إلى المشكلة الأساسية: الأرقام الإجمالية موجودة بكثافة، لكن القدرة على تتبع تحولها إلى نتائج فعلية أقل وضوحًا.

كم من الـ412 مشروعًا يعمل بالفعل؟ وكم منها لا يزال في مرحلة تخصيص الأرض أو الإنشاء؟ وكم من الـ16.4 مليار دولار تم ضخه بالفعل؟ وكم وظيفة حقيقية تم خلقها حتى الآن؟ وما حجم صادرات المصانع التي دخلت مرحلة الإنتاج؟ وما القيمة المضافة المحلية التي تولدها؟

وتزداد الحاجة إلى إجابة دقيقة في ضوء ما تذكره «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» من أن المنطقة تدعم 14 مطورًا صناعيًا متخصصًا، وتحتوي على نحو 100 منشأة مرتبطة بالموانئ، إلى جانب أكثر من 530 منشأة تشغيلية نشطة.

فالرقم الأخير يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا قويًا على النشاط الفعلي داخل المنطقة، لكنه لا يوضح كم منشأة من هذه الـ530 تخص تحديدًا المشروعات الـ412 المتعاقد عليها خلال السنوات الأربع الأخيرة في عهد الإدارة الحالية، وكم منها كان قائمًا قبلها، ولا يقدم تصنيفًا يسمح بالفصل بين المنشآت الصناعية المنتجة والأنشطة الخدمية واللوجستية والمرتبطة بالموانئ.

ومن ثم فإن المؤشر الأكثر دلالة على أداء الإدارة الحالية ليس العدد التراكمي الإجمالي للمنشآت الموجودة داخل المنطقة، وإنما معدل تحويل التعاقدات الجديدة إلى استثمارات منفذة ومنشآت دخلت التشغيل التجاري الفعلي.

مذكرات التفاهم على المحك.. الهيدروجين الأخضر نموذجًا

ولعل ملف الهيدروجين الأخضر يقدم المثال الأكثر وضوحًا على ضرورة التمييز بين مراحل الاستثمار المختلفة.

فالوثائق الرسمية تتحدث عن سبع مذكرات تفاهم أبرمتها مصر مع مطورين دوليين لتنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بإجمالي استثمارات «محتملة» تصل إلى 40 مليار دولار خلال عشر سنوات.

الرقم ضخم، لكنه يطرح السؤال نفسه: كم من هذه المذكرات السبع انتقل فعليًا إلى اتفاق نهائي ملزم؟ وكم مشروعًا منها وصل إلى الإغلاق المالي؟ وكم دولارًا من الأربعين مليارًا «المحتملة» تم ضخه بالفعل حتى الآن؟ وكم مشروعًا دخل مرحلة الإنشاء الفعلي أو التشغيل التجاري؟

فالقيمة الاقتصادية لمذكرة تفاهم لا تساوي القيمة الاقتصادية لمشروع وصل إلى الإغلاق المالي، وهذه بدورها لا تساوي قيمة مصنع اكتمل ويعمل وينتج ويصدر.

ومن هنا لا تكمن المشكلة في إعلان مذكرات التفاهم أو الاحتفاء بها؛ فهي مرحلة طبيعية ومهمة في دورة جذب الاستثمار. المشكلة تبدأ عندما تختلط المراحل المختلفة في الخطاب العام، فيتحول «الاستثمار المحتمل» تدريجيًا إلى رقم يُقرأ وكأنه استثمار تحقق بالفعل على الأرض.

والفارق بين الاثنين هو تحديدًا ما تحتاج الهيئة إلى الإفصاح عنه بصورة أكثر تفصيلًا.

واللافت أن «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» نفسها تصف المنطقة بأنها تعكس تحولًا من نماذج ترويج الاستثمار التقليدية والمجزأة إلى نموذج يرتكز على المستثمر ويستهدف تعظيم القيمة المضافة وتعزيز الصادرات ودعم الابتكار.

وإذا كانت الوثائق الحكومية نفسها تضع القيمة المضافة والصادرات في قلب النموذج المستهدف، فإن قياس أداء الإدارة بمؤشرات التنفيذ والإنتاج والتصدير، بدلًا من مؤشرات التعاقد وحدها، لا يمثل مطلبًا تعجيزيًا؛ بل هو المعيار الذي وضعته الدولة لنفسها.

كما تصف السردية إجراءات تسجيل الشركات بأنها تستغرق من يوم إلى ثلاثة أيام، وإجراءات الترخيص ثلاثة أيام عمل فقط، وتصف المنطقة بأنها من أسرع المناطق على مستوى العالم في تأسيس الأعمال.

لكن لا تتوفر، لدى إعداد هذا التحقيق، بيانات منشورة تسمح بقياس متوسط الزمن الفعلي الذي يستغرقه المستثمر منذ بدء الإجراءات وحتى تخصيص الأرض واستكمال المرافق وبدء التشغيل. وهنا أيضًا تظهر الحاجة إلى الانتقال من قياس سرعة الإجراء الإداري منفردًا إلى قياس رحلة المستثمر كاملة حتى بدء الإنتاج.

قوة الترويج في مواجهة واقع البنية التحتية

تكشف الوثائق الرسمية عن قوة واضحة في الجانب الترويجي؛ فهي تقدم المنطقة باعتبارها وجهة استثمارية متكاملة، وتبرز الحوافز والموقع والبنية التحتية وسرعة تأسيس الشركات وإصدار التراخيص والنافذة الواحدة وآليات حل النزاعات. كما تضع البنية التحتية عالية الجودة، وضمنها الكهرباء والطاقة، ضمن المقومات الأساسية لجذب الاستثمار.

لكن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات سجل ملاحظات محددة بشأن ملفات الطاقة والمرافق.

ففي القنطرة غرب، أشار الجهاز إلى عقد يعود إلى عام 2008 لتوفير شبكة الكهرباء، سُدد أكثر من 80% من قيمته، بينما لم يكن التيار الكهربائي قد أطلق للمستثمرين حتى تاريخ التقرير. كما سجل عدم استكمال إجراءات ترخيص توزيع الكهرباء في شرق بورسعيد، إذ لم تكن الرخصة قد صدرت باسم شركة المرافق حتى تاريخ التقرير ذاته.

وهذه الملاحظات واردة في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن السنة المالية 2024/2025، ولا تتوفر لدى إعداد هذا التحقيق معلومات مؤكدة عما إذا كانت قد عولجت لاحقًا أو ما تزال قائمة حتى الآن. ولذلك فإن المطلوب ليس افتراض استمرارها، وإنما إعلان موقف واضح من الهيئة بشأن ما تم تنفيذه من ملاحظات الجهاز وما لم ينفذ وأسباب ذلك.

مركز تسوية المنازعات.. نص قانوني لم يُفعّل

وتظهر الفجوة نفسها في ملف آخر يتعلق بخدمة المستثمر بعد دخوله المنطقة.

فالوثائق الرسمية تتحدث عن نافذة واحدة وآليات فعالة لحل النزاعات، وتضع مركز حل النزاعات ضمن الخدمات المقدمة للمستثمر. وفي المقابل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن مركز تسوية المنازعات المنصوص عليه قانونًا لم يكن قد فُعّل حتى تاريخ آخر المعلومات المتاحة لهذا التحقيق.

فقد نص القانون رقم 83 لسنة 2002، في المواد من 51 إلى 57، على إنشاء مركز لتسوية المنازعات داخل المنطقة الاقتصادية باعتباره جزءًا من بنيتها القانونية والمؤسسية. ومع ذلك، ورغم مرور ما يقرب من عقد على إنشاء الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ظل المركز غير مفعل وفق آخر المعلومات المتاحة.

والقضية هنا ليست شكلية. فغياب المركز يعني أن المستثمر الذي تعرض عليه المنطقة منظومة متكاملة عند جذبه إليها قد يجد نفسه، عند نشوء نزاع، أمام مسارات متعددة تشمل لجان فض منازعات الاستثمار التابعة لمجلس الوزراء والجهات القضائية وغيرها من المسارات الإدارية والقانونية.

مذكرات تفاهم، واتفاقيات، وجولات خارجية، وأرقام استثمارات متعاقد عليها؛ وفي المقابل، تطرح ملفات الطاقة والمرافق وتسوية المنازعات أسئلة مختلفة تمامًا: ماذا يحدث للمستثمر بعد توقيع الاتفاق؟

الرقابة البرلمانية.. الملف مطروح بالفعل

هذه الأسئلة لم تظهر للمرة الأولى في هذا التحقيق. فقد تحرك مجلس النواب تجاه الفجوة بين الإعلان والتنفيذ في ملف المنطقة الاقتصادية عبر أداتين رقابيتين، الأولى سابقة على تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الأخير، والثانية لاحقة له ومستندة إليه مباشرة.

فقد تقدم النائب أحمد ناصر، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة إلى لجنة الصناعة طالب فيه بكشف العائد الصناعي الحقيقي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومراجعة الفجوة بين الاستثمارات المعلنة والنتائج الفعلية.

وبعد صدور تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن السنة المالية 2024/2025، تقدم النائب حسين هريدي بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء، بشأن استمرار الملاحظات الجوهرية الواردة في التقرير.

وأشار السؤال إلى ما تضمنه التقرير من ملاحظات مالية وتشغيلية وإدارية، من بينها استمرار عدم تسوية بعض الملفات المالية، وعدم إدراج بعض الأصول والأراضي بالقوائم المالية، ووجود استثمارات لا تحقق العائد الاقتصادي المأمول، وتأخر تنفيذ بعض مشروعات البنية الأساسية، واستمرار التعديات على أراضي الهيئة.

وطرح هريدي ثلاثة أسئلة رئيسية: لماذا تستمر بعض الملاحظات رغم تكرارها في أكثر من تقرير رقابي؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن أوجه القصور التي كشف عنها التقرير؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تنفيذًا لتوصيات الجهاز المركزي للمحاسبات، وهل أسفرت عن استرداد حقوق مالية أو إحالة مسؤولين إلى جهات التحقيق؟

مسؤولية الترويج ومسؤولية التنفيذ

نجاح وليد جمال الدين في جذب المستثمرين يبقى معطى قائمًا لا ينكره هذا التحقيق. بل إن حجم التعاقدات والنشاط الترويجي واتساع قاعدة المستثمرين كلها عناصر ينبغي احتسابها لصالح الإدارة عند تقييم تجربتها.

لكن مهمة رئيس هيئة اقتصادية بحجم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا تنتهي عند جذب المستثمر وتوقيع الاتفاق معه. المهمة تبدأ هناك بقدر ما تنتهي هناك: تخصيص الأرض، وإيصال المرافق، وإنهاء التراخيص، وتذليل العقبات، وتحويل التمويل المعلن إلى استثمار منفذ، ثم تحويل المشروع إلى مصنع يعمل وينتج ويصدر ويوظف عمالة فعلية.

ولهذا فإن المسافة بين الإعلان والتنفيذ ليست تفصيلًا فنيًا.

هي المسافة بين استثمار متعاقد عليه واستثمار تم ضخه، وبين فرصة عمل متوقعة وعامل يتقاضى أجرًا بالفعل، وبين مذكرة تفاهم ومشروع وصل إلى الإغلاق المالي، وبين مصنع معلن ومصنع ينتج ويصدر.

نقطة الحسم

مع اقتراب موعد التجديد، توجد أمام الجهات المعنية أربع مجموعات من المعطيات: سجل معلن من الاستثمارات والمشروعات المتعاقد عليها ومذكرات التفاهم؛ مؤشرات تراكمية عن المنشآت العاملة في المنطقة لا تفصل بصورة كافية بين ما تحقق في عهد الإدارة الحالية وما سبقها؛ تقرير رسمي للجهاز المركزي للمحاسبات يسجل ملاحظات مالية وتشغيلية وإدارية؛ وأدوات رقابية برلمانية تطالب بكشف نسب التنفيذ الفعلية وتحديد المسؤولية عن استمرار بعض الملاحظات.

هذه المعطيات لا تحسم بذاتها الإجابة عن سؤال استمرار وليد جمال الدين من عدمه. فهذا قرار يعود إلى الجهات المختصة، وقد تدخل في تقييمه اعتبارات أخرى لا يغطيها هذا التحقيق.

تابع مواقعنا