قريبا.. تتراباك مصر وزلفى تفتتحان مصنعا لإنتاج الحليب والعصائر بتكلفة 14 مليون يورو في بنغازي
أعلنت شركة تتراباك مصر، افتتاح مصنع لإنتاج الحليب والعصائر بتكلفة 14 مليون يورو في بنغازي بليبيا خلال 2026، وهو المصنع الذي سيحمل اسم مجمع "زلفا-تترا باك"، وسيقام على مساحة 140 ألف متر مربع، وسيتولى تصنيع منتجات الألبان والعصائر عبر ثلاثة خطوط إنتاج.
مصنع لإنتاج الحليب والعصائر
وفقًا لبيانات البنك الدولي، ففي بلد مثل ليبيا لا يزال النفط والغاز فيه يشكلان 65 % من الناتج المحلي الإجمالي، و93% من الصادرات، و72% من إيرادات الحكومة، يمثل قرار إنشاء مصنع لتصنيع الأغذية خطوة ملموسة نحو الابتعاد عن نموذج الدولة الريعية النفطية الذي حكم ليبيا طيلة عقود.
هذا النموذج لا يزال راسخًا، فقد دفعت عائدات النفط إجمالي إيرادات الحكومة إلى 53.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، بعد قفزة بلغت 30 %، وتبلغ نسبة البطالة على المستوى الوطني نحو 18.6 إلى 18.8 %، فيما تقترب البطالة بين الشباب من 50%.
هذا الاعتماد ليس جديدًا، فمنذ بدء التأميم عام 1969، بسطت الدولة سيطرتها على القطاع المصرفي وتصنيع الأغذية والنسيج ومعظم الصناعات الأخرى، ومَوّلت أموال النفط قطاعًا عامًا ضخمًا ونظامًا من الدعم جعل من الوظيفة الحكومية الخيار البديهي لمعظم الليبيين، وقد صمدت هذه البنية المركزية إلى حد كبير أمام ثورة 2011، حتى مع تفكك النظام السياسي من حولها، والنتيجة اقتصاد شديد المركزية نظريًا، لكن الواقع العملي يكشف عن شلل وانقسام حادين.
لقد بدأ رأس المال الخاص يتحدى قيود هذا النظام، ففي شرق ليبيا، أطلق مستثمرون من أمثال أحمد جاد الله ومجموعة العشيبي القابضة مشاريعَ في قطاع الحديد والصلب عبر مجمع "توسيالي-سولب" لإنتاج الحديد المختزل مباشرة قرب بنغازي، وفي تصنيع الأغذية عبر مشروع "زلفا"، وكذلك في صناعة الأسمنت وشبكات الخدمات اللوجستية اللازمة لدعم هذه المشاريع.
هذه الجهود تُظهر أن المستثمرين مستعدون لضخ رؤوس أموالهم في البنية التحتية المادية متى سمحت الظروف بذلك، فمجمع للحديد والصلب بالحجم المُعلن عنه من شأنه أن يضيف طاقة صناعية وإمكانات تصديرية، كما يمكن لمصانع الأغذية أن تقلل الاعتماد على الاستيراد وتخلق فرص عمل رسمية، فيما تُعد شبكات الخدمات اللوجستية شرطًا أساسيًا لأي قاعدة تصنيعية قادرة على المنافسة.
ورغم أهمية إنشاء مصنع للصلب أو معمل للعصائر، إلا أن هذه الخطوات الفردية لا ترقى لتكون استراتيجية اقتصادية وطنية، فقدرة المستثمرين الأفراد على الفعل تظل محدودة في ظل غيابٍ للمؤسسات الفاعلة.
أما التنويع الحقيقي فيحتاج إلى مؤسسات تتيح لرأس المال أن يتحرك وفق اعتبارات تجارية لا سياسية، وقواعد موحدة تُطبَّق في جميع المناطق، وممارسات مصرفية وتمويل تجاري تتسم بالشفافية، واستراتيجية صناعية قادرة على ربط النشاط الاقتصادي في الشرق والغرب والجنوب، كما تُسهم الهياكل الموازية في تجذير التفكك عوضا عن القضاء عليه.
ويحسب المستثمرون حساب المخاطر السياسية ومخاطر الحوكمة؛ فمن دون آليات موثوقة لتسوية النزاعات، وتنظيم متسق، وهياكل ملكية واضحة، تبقى المشاريع الكبرى عرضة للتأثر بتحولات موازين القوى المحلية.
ويقدم القطاع المصرفي أوضح مثال على هذه المشكلة المؤسسية، فقد انقسم مصرف ليبيا المركزي عام 2014 إلى فرعين متنافسين في الشرق والغرب، وظلت المؤسستان لقرابة عقد كامل تُصدران العملة وتديران عائدات النفط كل بمعزل عن الأخرى، الأمر الذي عقّد إدارة السياسة النقدية وأسهم في مشكلات التضخم والسيولة.
وتقدمت جهود إعادة التوحيد بعد وقف إطلاق النار عام 2020، وبلغت مرحلة رسمية في أغسطس 2023، إلا أن أزمة قيادية في منتصف عام 2024 عطّلت الإنتاج النفطي من جديد ووسّعت ضغوط سعر الصرف، وخفّض المصرف قيمة الدينار بنحو 13 بالمئة في أبريل 2025 لتضييق الفجوة مع السوق الموازية.
ولا تزال ممارسات الاعتمادات المستندية، وإدارة العملة، والعلاقة بين المصارف التجارية والمصرف المركزي هي ما يحدد ما إذا كان النشاط الصناعي الخاص يعزز الاقتصاد الرسمي أم يظل يسير بمعزل عنه.
ينبغي لأي أجندة عملية أن تركز على عدد محدود من الأولويات القابلة للقياس: قواعد وطنية موحدة للمناطق الصناعية وحوافز الاستثمار والمنافسة، وتحسين التمويل التجاري والشفافية المصرفية، ومهارات وبنية تحتية تربط الطاقة الإنتاجية الجديدة بالموانئ والطاقة الكهربائية والأسواق المحلية، وآليات تُدرج المشاريع الخاصة ضمن الحسابات الوطنية بدلًا من إبقائها خارج الرقابة.
ويشير البنك الدولي إلى أن القطاع الخاص الليبي، خارج الدولة وقطاع المحروقات، لا يزال متخلفًا بشكل ملحوظ، إذ لا يوظف سوى نحو 14 بالمئة من القوى العاملة. وتظل المشاريع الفردية، مهما بلغ طموحها، تعمل ضمن هذا الفراغ.
وتُظهر المشاريع المرتبطة بمستثمرين من أمثال أحمد جاد الله ومجموعة العشيبي القابضة أن رأس المال الخاص والطموح الصناعي موجودان خارج قطاع النفط، وفي المقابل، فإن قدرة هذه الجهود على بناء اقتصاد أكثر مرونة لا تتوقف على رجل أعمال بعينه بقدر ما تتوقف على جودة المؤسسات المحيطة به، فالتنويع الذي يبقى مرتبطًا ببنى القوة الموازية سيواجه صعوبة في جذب رأس المال طويل الأجل، في حين أن التنويع القائم على قواعد شفافة وتكامل وطني وحوكمة خاضعة للمساءلة يملك فرصة أقوى للاستمرار.
إن ثروة ليبيا النفطية قادرة على تمويل المواد الخام لعملية التحول الاقتصادي، لكنها عاجزة عن شراء المؤسسات اللازمة لضمان استمراره، وإذا لم تواكب الموجة المقبلة من الاستثمار الخاص إصلاحاتٌ في الحوكمة، فقد تتحول هذه المصانع الجديدة إلى كيانات معزولة تستنزف الموارد داخل دولة منقسمة، فرأس المال متوفر، أما الأسس المنظمة للاقتصاد فما تزال بحاجة إلى تغيير جذري.


