من خريطة فلسطين إلى حرب غزة.. كيف يروي المنهج المصري قصة القضية الفلسطينية ويبرز الدور المصري فيها؟| تقرير
صورة من كتاب التاريخ المصري لطلاب البكالوريا المصرية الجديدة، تظهر فيها فلسطين على خريطة الحدود المصرية من دون ظهور اسم إسرائيل، أثارت اهتمامًا واسعًا بعدما سلط القاهرة 24 الضوء عليها، قبل أن تنتقل الصورة إلى الإعلام العربي ثم الإسرائيلي، حيث تحولت إلى مادة للنقاش والتساؤلات.
لكن الحكاية لا تتوقف عند الخريطة، فخلفها وحدة كاملة عن القضية الفلسطينية، تستعرض محطات أساسية من تاريخها، وتضع الدور المصري في قلب المشهد، من حرب أكتوبر 1973، إلى السلام والتفاوض، فالانتفاضتين ومؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو، وصولًا إلى حروب غزة والوساطة المصرية وقمة شرم الشيخ للسلام في 2025.

من القاهرة 24 إلى الإعلام الإسرائيلي
ما بدأ بصورة لخريطة داخل كتاب مدرسي تحول إلى مادة تناولتها وسائل إعلام عربية وإسرائيلية، خاصة مع ظهور فلسطين على الخريطة من دون اسم إسرائيل، وهو ما أثار حالة من الجدل والتساؤلات في الإعلام الإسرائيلي، لكن الخريطة تبدو مجرد مدخل إلى رواية أكبر يقدمها المنهج عن القضية الفلسطينية والدور المصري فيها، خريطة واحدة ووحدة كاملة.

تحت عنوان مصر والقضية الفلسطينية بعد حرب أكتوبر 1973م، يقدم المنهج مسارًا متصلًا لتطور القضية الفلسطينية بعد حرب أكتوبر، ويضع الدور المصري باعتباره أحد الخيوط الرئيسية في هذه الرواية.

فأكتوبر، وفق ما يقدمه الدرس، لم تكن مجرد نهاية لمواجهة عسكرية، وإنما نقطة تحول في أدوات التعامل مع الصراع، من استرداد الأرض عبر الحرب إلى توظيف السياسة والدبلوماسية والتفاوض والوساطة، مع استمرار دعم الحقوق الفلسطينية.
ومن هنا تأتي معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 باعتبارها محطة أساسية في استرداد سيناء وإنهاء حالة الحرب بين البلدين، من دون أن يعني ذلك انتهاء القضية الفلسطينية أو إغلاق ملف الصراع.

ويقدم المنهج خطين متوازيين، حق مصر في استرداد أرضها، والحقوق الفلسطينية التي بقيت من دون حل نهائي، مع التأكيد على أن التفاوض لا يعني التخلي عن الحقوق، وأن السلام لا يكتمل بمجرد غياب الحرب.
من الانتفاضة الأولى إلى مدريد وأوسلو
تنتقل الصفحات إلى عام 1987 مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي يعرضها المنهج باعتبارها نتيجة لتراكم طويل من الاحتلال والإحباط وغياب الحل العادل، مع إبراز طبيعتها الشعبية ومشاركة قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني.

ومن الانتفاضة الأولى ينتقل السرد إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ثم اتفاقية أوسلو عام 1993، التي يقدمها المنهج باعتبارها اتفاقًا انتقاليًا لم ينه القضية، بينما بقيت قضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات من دون حسم، وهكذا تتحرك الأحداث في الكتاب كمسار واحد، انتفاضة ثم مفاوضات ثم اتفاق ثم تعثر، وصولًا إلى انتفاضة جديدة.
عندما تعثر السلام عادت المواجهة
مع نهاية التسعينيات، يصل السرد إلى الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، في ظل استمرار الاحتلال واتساع الاستيطان وتعثر مفاوضات الوضع النهائي.
ويستحضر المنهج خلال هذه المرحلة صورة الطفل محمد الدرة، التي تحولت إلى أحد رموز الانتفاضة الثانية، لتقترب القضية من حاضر الأجيال الجديدة قبل أن يصل السرد إلى غزة.

غزة حين يصبح التاريخ حاضرًا
يتناول المنهج جولات الحرب والتصعيد في قطاع غزة منذ 2008، مرورًا بعام 2012 و2014 و2021 و2022، وصولًا إلى الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023.
ولا يكتفي الدرس بسرد السنوات، بل يربط بينها باعتبارها حلقات متكررة في صراع لم يصل إلى حل نهائي، فالتهدئة قد توقف التصعيد، لكنها لا تنهي القضية، ومن هنا يعود الدور المصري إلى واجهة المشهد.

مصر من أكتوبر إلى الوساطة
في الجزء الخاص بغزة، تظهر مصر باعتبارها طرفًا يسعى إلى وقف التصعيد وفتح مسارات التهدئة وإدخال المساعدات الإنسانية ومنع اتساع دائرة الحرب، كما يبرز المنهج رفض تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، ويضع غزة داخل القضية الفلسطينية باعتبارها جزءًا أصيلًا منها، وليس مجرد ملف إنساني منفصل.
وهنا يلتقي التاريخ بالحاضر، فمصر التي خاضت حرب أكتوبر لاستعادة أرضها ثم دخلت مسار التفاوض لاستكمال استرداد سيناء، تظهر في السنوات التالية كوسيط يسعى إلى احتواء أزمات غزة والحفاظ على مسار سياسي للقضية، بالتوازي مع حماية أمنها القومي، وهذا أحد أهم الخيوط التي تجمع صفحات الوحدة، فالدور المصري تتغير أدواته، لكن حضوره في المشهد لا يختفي.
من حرب أكتوبر إلى شرم الشيخ
وتصل الوحدة إلى أحدث محطاتها عند قمة شرم الشيخ للسلام التي استضافتها مصر في 13 أكتوبر 2025، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة قادة أكثر من 20 دولة.

واستهدفت القمة إنهاء الحرب في غزة وتعزيز جهود السلام والاستقرار وفتح مسار سياسي للقضية الفلسطينية، وفي تسلسل الدرس، تبدو القمة امتدادًا لمسار طويل بدأ بعد أكتوبر 1973، عندما انتقلت مصر تدريجيًا من المواجهة العسكرية إلى السياسة والدبلوماسية، وصولًا إلى استضافة قمة دولية تستهدف وقف الحرب في غزة ودفع القضية نحو تسوية سياسية.
فلسطين في المشهد ومصر في القلب
اللافت في بناء الوحدة أنها لا تقدم القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف عسكري أو حدودي، وإنما باعتبارها قضية شعب وحقوق ومسار سياسي لم يكتمل.
وفي المقابل يظهر الدور المصري عبر مراحل مختلفة، مرة في الميدان، ومرة على طاولة التفاوض، ومرة في الوساطة، ومرة في محاولة وقف الحرب ومنع اتساعها.
ومن أكتوبر 1973 إلى الانتفاضة الأولى، ومن مدريد وأوسلو إلى الانتفاضة الثانية، ومن غزة إلى قمة شرم الشيخ 2025، يتحرك السرد عبر أكثر من نصف قرن، بينما يبقى الخيط الرئيسي حاضرًا، أدوات الدور المصري تتغير، لكن القضية الفلسطينية تظل في قلب المشهد.
السلام المنشود حين يتحول الهدف إلى اختبار
ولا تتوقف رحلة المنهج عند سرد محطات الصراع والتسويات، إذ تنتقل الوحدة التالية إلى الحديث عن السلام المنشود، باعتباره هدفًا لم يتحقق بصورة كاملة رغم عقود من الحروب والمفاوضات والاتفاقيات.
ويقدم المنهج مفهوم السلام باعتباره أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار، فهو يرتبط بالأمن والاستقرار والعدالة ومعالجة القضايا العالقة التي أبقت الصراع مفتوحًا.

وتتناول الوحدة تحديات الوصول إلى هذا السلام، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال والاستيطان، وتعقيدات قضايا القدس واللاجئين والحدود، وتكرار موجات العنف والحروب، وصعوبة الوصول إلى توافقات سياسية تنهي الصراع.
وبعد استعراض مسار طويل من الحرب والانتفاضة والتفاوض والتهدئة، يضع المنهج الطالب أمام السؤال الأهم، لماذا تعثر السلام طوال هذه العقود، وما الشروط اللازمة للوصول إلى سلام دائم وشامل؟، فلم تكتفي صفحات المنهج برواية ما حدث، وإنما تنتقل من التاريخ إلى محاولة فهم جذور الصراع، وتطرح السلام باعتباره نتيجة تحتاج إلى معالجة الأسباب وضمان الحقوق وبناء ترتيبات سياسية وأمنية وإنسانية قادرة على الاستمرار.


