واقعة مدرسة جلوبال تزيح الستار عن ثغرات في التمويل الاستهلاكي.. خبراء يوضحون
تثير واقعة حصول إحدى شركات التمويل الاستهلاكي، على بيانات أولياء أمور مدرسة جلوبال بارادايم واستخدامها في الحصول على تمويلات بأسمائهم دون علمهم، بقيمة إجمالية بلغت نحو 319 مليون جنيه؛ تساؤلات واسعة حول ضوابط منح التمويلات وآليات حماية البيانات الشخصية للعملاء.
وتأتي الواقعة في وقت يؤكد فيه إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أهمية قطاع التمويل الاستهلاكي ودوره في تمكين المواطنين من الحصول على السلع والخدمات التي يحتاجون إليها.
وتعليقًا على ذلك، يرى خبراء في القطاع المصرفي والمالي، أن الواقعة تمثل اختبارًا مهمًا لمنظومة الرقابة على شركات التمويل، محذرين من أن تكرار مثل هذه الممارسات قد يؤثر سلبًا على ثقة المواطنين في القطاع المالي غير المصرفي، ومطالبين بتشديد إجراءات التحقق من هوية العملاء، وضمان الحصول على موافقات صريحة وموثقة قبل استخدام بياناتهم أو ترتيب أي التزامات مالية بأسمائهم.

عز الدين حسانين: استخدام بيانات العملاء دون موافقة يهدد ثقة المواطنين في شركات التمويل
قال الخبير المصرفي الدكتور عز الدين حسانين، إن التوسع الذي تشهده سوق التمويل الاستهلاكي والقطاع المالي غير المصرفي يتطلب الالتزام بأعلى مستويات الحوكمة والشفافية وحماية بيانات العملاء، مشيرًا إلى أن استخدام بيانات أولياء الأمور دون علمهم يثير تساؤلات جوهرية بشأن أمن الحسابات المالية وسرية البيانات الشخصية.
وأضاف حسانين في تصريح لـ القاهرة 24، أن النشاط التمويلي يقوم في الأساس على الائتمان والثقة المتبادلة بين المؤسسات والعملاء، وبالتالي فإن أي تساهل في تطبيق ضوابط التحقق والاستعلام ينعكس سلبًا على ثقة المواطنين في القطاع، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى كفاية الآليات الرقابية الحالية لحماية حقوق المتعاملين.
وأوضح أن مثل هذه الوقائع تمثل «صدمة مباشرة» لثقة المتعاملين، ولا تقتصر آثارها على الشركة المخالفة فقط، وإنما تمتد إلى القطاع المالي غير المصرفي ككل، لافتًا إلى أن المواطنين قد يتخوفون من تقديم بياناتهم الرسمية، مثل بطاقات الرقم القومي أو مفردات المرتب، خشية تسريبها أو إعادة استخدامها في ترتيب التزامات مالية دون علمهم.
3 إجراءات لتعزيز ثقة المواطنين في شركات التمويل
وأكد الخبير المصرفي، أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب مجموعة من الإجراءات، في مقدمتها إعلان الجهات الرقابية نتائج التحقيقات المتعلقة بأي مخالفات وتطبيق العقوبات المقررة بحق الشركات أو الأفراد المتورطين، بما يبعث برسالة واضحة بأن حماية بيانات العملاء أمر لا يمكن التهاون فيه.
كما دعا إلى منع ما وصفه بالموافقات المدمجة أو غير الواضحة، وإلزام الشركات بالحصول على موافقة منفصلة وصريحة، سواء كتابية أو إلكترونية، تحدد بوضوح الغرض من استخدام البيانات والجهة التي ستتعامل معها.
وشدد كذلك على أهمية تنفيذ حملات توعوية لتعريف المواطنين بحقوقهم القانونية المتعلقة بسرية بياناتهم، وآليات الاعتراض على أي استعلام ائتماني أو استخدام لبياناتهم دون موافقة مسبقة.
هل توجد آليات رقابية لمتابعة حصول شركات التمويل على بيانات العملاء؟
وقال حسانين، إن القطاع المالي غير المصرفي في مصر يخضع لإطار تشريعي ورقابي ينظم التعامل مع بيانات العملاء، مشيرًا إلى دور الهيئة العامة للرقابة المالية في الرقابة على شركات التمويل، بالتوازي مع أحكام قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020.
وأوضح أن الرقابة تشمل فحص قواعد البيانات ومستندات العملاء وسجلات المعاملات، للتأكد من وجود المستندات والتفويضات اللازمة، لافتًا إلى أهمية الحصول على موافقة العميل قبل إجراء الاستعلامات الائتمانية المتعلقة به.
واقترح في هذا الإطار الإسراع في استكمال وتفعيل اللوائح المرتبطة بحماية البيانات، وتشديد العقوبات على جمع أو معالجة أو مشاركة البيانات بالمخالفة للقواعد، إلى جانب منع مشاركة بيانات العملاء مع شركات شقيقة أو تجار تجزئة أو وكلاء تسويق إلا بعد الحصول على الموافقات اللازمة والمحددة لكل غرض.
كما دعا إلى تقليل الاعتماد على صور المستندات والمعاملات الورقية، والتوسع في استخدام نظم التحقق الرقمي المعتمدة، بما يضمن التأكد من أن طالب التمويل هو الشخص نفسه صاحب البيانات.
الضوابط المطلوبة
وأكد حسانين أن منح تمويل أو ترتيب التزام مالي باسم شخص دون الحصول على موافقته الموثقة يمثل مخالفة جسيمة، وقد يحدث عمليًا نتيجة ثغرات في إجراءات التحقق أو ممارسات احتيالية من بعض الوسطاء أو الموظفين.
وأشار إلى أن إحكام إجراءات التحقق والمراجعة الداخلية يمكن أن يقلل بدرجة كبيرة من احتمالات تسجيل التزامات مالية دون علم أصحابها، مؤكدًا أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حال ثبوت وجود تزوير أو احتيال.
وشدد الخبير المصرفي على ضرورة تطبيق مجموعة من الضوابط للتحقق من هوية طالب التمويل، من بينها الاطلاع على أصل بطاقة الرقم القومي السارية ومطابقة بياناتها وصورتها مع العميل، إلى جانب استخدام وسائل التحقق الإلكتروني، مثل رموز التأكيد لمرة واحدة OTP، وربطها ببيانات الاتصال المعتمدة.
واختتم حسانين بالتأكيد على أن حماية بيانات العملاء تمثل ركيزة أساسية لاستدامة نمو قطاع التمويل الاستهلاكي والقطاع المالي غير المصرفي، مشددًا على أن معالجة أي تجاوزات أو ثغرات إجرائية بحزم لا تحمي حقوق المواطنين فقط، وإنما تدعم استقرار القطاع وتعزز الثقة في الخدمات المالية والشمول المالي.

حسام عيد: الواقعة تكشف عن وجود خلل في بعض ممارسات منظومة التمويل الاستهلاكي
ومن جانب، قال حسام عيد، الخبير المصرفي ومحلل أسواق المال، إن واقعة الحصول على تمويلات بقيمة 319 مليون جنيه باستخدام بيانات أولياء أمور دون علمهم، تستوجب تشديد الرقابة على قطاع التمويل الاستهلاكي، وتعزيز قواعد الحوكمة والتحقق من هوية العملاء.
وأضاف عيد في تصريح لـ القاهرة 24، أن الواقعة تكشف عن وجود خلل واضح في بعض ممارسات منظومة التمويل الاستهلاكي، وتثير تساؤلات حول مستوى الرقابة والحوكمة داخل القطاع، خاصة في ظل التوسع المتسارع في حجم التمويلات خلال السنوات الأخير.
التمويل الاستهلاكي في مصر شهد قفزة كبيرة خلال عام 2025
وأوضح أن التمويل الاستهلاكي في مصر شهد قفزة كبيرة خلال عام 2025، إذ بلغ نحو 87.2 مليار جنيه، بزيادة تقارب 58% مقارنة بنحو 55.1 مليار جنيه في 2024، ما ساهم في ارتفاع إجمالي محافظ التمويل غير المصرفي الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية إلى نحو 417 مليار جنيه بنهاية العام.
وأشار إلى أن هذا النمو، رغم دوره في دعم الطلب المحلي وتعزيز الشمول المالي، يمثل سيفًا ذا حدين، إذ إن التوسع السريع في التمويل الاستهلاكي قد يفرض ضغوطًا على الأسر والاقتصاد إذا لم يترافق مع ضوابط فعالة تضمن قدرة العملاء على السداد وتحميهم من الإفراط في الاستدانة.
وأكد أن التوسع في الاستهلاك الممول بالديون لا يمكن أن يكون بديلًا عن النمو القائم على الإنتاج والاستثمار، مشيرًا إلى أن توجيه جزء أكبر من الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، سيكون أكثر استدامة للاقتصاد المصري.
وشدد على ضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة للتأكد من قدرة العميل على السداد، وربط حجم التمويل بمستوى الدخل والالتزامات القائمة، إلى جانب تشديد إجراءات التحقق من الهوية والموافقة الصريحة قبل منح أي تمويل، ورفع مستوى الرقابة على شركات التمويل الاستهلاكي.
واختتم عيد بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى نمو مدعوم بالإنتاج والاستثمار، وليس بالاعتماد المفرط على الاستهلاك الممول بالديون، محذرًا من أن النمو القياسي في التمويل الاستهلاكي قد يتحول إلى عبء على الأسر والاقتصاد إذا لم يصاحبه إطار رقابي وحوكمي أكثر صرامة.

هاني أبو الفتوح: مدى قدرة منظومة التمويل الاستهلاكي على حماية بيانات العملاء
وفي سياق متصل، قال هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي والاقتصادي، إن واقعة التمويلات المرتبطة بمدرسة جلوبال بارادايم تفتح تساؤلات أوسع من حدود الواقعة نفسها، تتعلق بمدى قدرة منظومة التمويل الاستهلاكي على حماية بيانات العملاء ومنع استخدامها في إنشاء التزامات مالية دون علم أصحابها.
وأضاف أبو الفتوح في تصريح لـ القاهرة 24، أن جوهر القضية يتمثل في مدى ثقة العميل في أن بياناته الشخصية لن تتحول إلى التزام مالي دون موافقته، مشيرًا إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية متزايدة في ظل النمو السريع لسوق التمويل الاستهلاكي في مصر.
وأوضح أن أحدث البيانات المنشورة من الهيئة العامة للرقابة المالية تشير إلى وصول عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي إلى نحو 10.8 مليون مستفيد خلال 2025، فيما ارتفعت قيمة التمويلات الاستهلاكية إلى نحو 96.3 مليار جنيه، مقابل 61.3 مليار جنيه خلال 2024، بنمو يقارب 57%.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس اتساع قاعدة السوق بصورة كبيرة، مقارنة بنحو 3.388 مليون عميل وتمويلات بقيمة 47.277 مليار جنيه خلال 2023، ثم 4.162 مليون عميل وتمويلات بقيمة 61.317 مليار جنيه خلال 2024.
الشمول المالي يزيد أهمية حماية البيانات
ولفت الخبير المصرفي إلى أن أهمية حماية بيانات العملاء تتزايد بالتزامن مع توسع معدلات الشمول المالي، مشيرًا إلى أحدث بيانات منشورة من البنك المركزي المصري، والتي أظهرت ارتفاع معدل الشمول المالي إلى 79% بنهاية يونيو 2026، بما يعادل نحو 56.4 مليون مواطن يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية، مقابل 77.6% بنهاية 2025.
قواعد رقابية لحماية العملاء
وأشار أبو الفتوح إلى أن الإطار الرقابي لحماية البيانات وتنظيم التعاملات الرقمية قائم بالفعل، موضحًا أن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 140 لسنة 2023 ينظم الهوية الرقمية والعقود الرقمية والسجل الرقمي، بينما يتعلق القرار رقم 186 لسنة 2024 بالاستعلام عن صحة بيانات العملاء.
وأكد أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بوجود القواعد التنظيمية، وإنما بمدى قوة تطبيقها عند النقطة التي تتحول فيها بيانات المواطن إلى عقد والتزام مالي.
الحوكمة تبدأ من إثبات موافقة العميل
وقال أبو الفتوح إن وجود قاعدة تنظيمية داخل المنظومة لا يكفي بمفرده لتحقيق الهدف منها، ما لم تكن هناك سلسلة واضحة من إجراءات التحقق تمكن المؤسسة من إثبات أن صاحب البيانات هو نفسه من تقدم بطلب التمويل وأصدر الموافقة عليه.
وشدد على ضرورة التفرقة بين الواقعة المرتبطة بمدرسة جلوبال بارادايم وبين تقييم سوق التمويل الاستهلاكي ككل، موضحًا أنه لا توجد، وفق البيانات الرسمية المتاحة، إحصائية عامة منشورة توضح عدد أو قيمة حالات التمويل الاستهلاكي التي تم تسجيلها دون موافقة أصحابها.
واختتم أبو الفتوح بالتأكيد على ضرورة عدم استباق نتائج التحقيقات أو تحديد المسؤولية النهائية عن واقعة جلوبال بارادايم، مشيرًا إلى أهمية الفصل بين البيانات المتاحة حول الواقعة وبين إثبات مسؤولية أي طرف، خاصة في ظل عدم ثبوت أرقام رسمية منشورة بشأن عدد المتضررين أو القيمة النهائية للعقود محل الواقعة.


