السبت 05 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

أزمة سبتة.. أوروبا تنتقد المغرب متناسية ممارساتها في إفريقيا التي تدفع الشباب نحو الهجرة

أزمة سبتة
سياسة
أزمة سبتة
الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 06:19 م

أثارت أزمة الهجرة الأخيرة من المغرب إلى سبتة موجة من الانتقادات الأوروبية الحادة ضد الرباط، مع اتهامات للسلطات المغربية بإبداء التساهل في كبح المهاجرين، ما أدى إلى تدفق هائل للمهاجرين نحو سبتة، وقد أشعل ذلك أزمة أوروبية بشأن هذه القضية، إذ وصل أكثر من 72 ألف شخص إلى سبتة، ولقي أكثر من 80 مهاجرًا مصرعهم، فيما أُعيد عشرات الآلاف إلى المغرب.

ووجهت الدول الأوروبية اتهامات جديدة للمغرب، مدعية أنه يستخدم السيطرة على تدفقات الهجرة كأداة للضغط السياسي، فيما يرفض المغرب الشقيق هذه الاتهامات، كما فعل خلال موجة الهجرة إلى سبتة عام 2021، وتكرر الوضع في عام 2026، عندما تحرك عشرات الآلاف من المهاجرين بشكل مفاجئ عبر الأراضي المغربية باتجاه سبتة.

وفي هذا السياق، زعم خوان خيسوس فيفاس، رئيس حكومة سبتة، إن مثل هذا العبور الجماعي كان من المستحيل أن يحدث دون تراجع خطير في الرقابة الحدودية من جانب المغرب، بحسب صحيفة الجارديان.

وعقب تصاعد الأزمة، قال مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماجنوس برونر إن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يصبح معتمدًا بشكل مفرط على حسن نية الدول الأخرى في مجال ضبط الهجرة، ودعا إلى استخدام أدوات الضغط الدبلوماسية والاقتصادية، بما في ذلك سياسات التأشيرات والتجارة، لضمان تعاون المغرب، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

لماذا يسعى المهاجرون إلى الوصول إلى أوروبا؟

في دول أوروبية مثل إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا، توجد بالفعل جاليات مغربية كبيرة تشكلت نتيجة هجرة العمال التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين، ويسهّل وجود الأقارب وشبكات الهجرة انتقال المهاجرين الجدد، كما يسهّل لمّ شمل الأسر، فيما يتضح أن الاتحاد الأوروبي يوفر مستوى معيشة أعلى وحماية اجتماعية أفضل.. لكن لماذا يُجبر السكان الأفارقة على مغادرة بلدانهم؟ 

وبينما يتحدث الأوروبيون عن الابتزاز بالهجرة في سبتة، قال عبد السلام عزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالمغرب، إن بلاده تعتبر الهجرة إلى سبتة أمرًا غير منطقي وغير مقبول.

وأوضح عزيز، في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24 أن النموذج نفسه لما يسمى بالدول المتقدمة والأوروبية يخلق مشكلات خطيرة في مجال الهجرة، فقد أصبحت الهجرة من الجنوب العالمي إلى الشمال العالمي واقعًا نعيشه باستمرار، واليوم، تواجه دول الجنوب نقصًا في الفرص وأزمات اقتصادية، خاصة بالنسبة للشباب.

وأضاف عزيز: في قلب أزمة سبتة يأتي مستوى معيشة الشباب في دول الجنوب، الذي لا توجد له حلول، فضلًا عن عدم استعداد الدول الغربية لأخذ مصالح ومشكلات دول الجنوب في الاعتبار، وهذا الأمر لا يتعلق بالمغرب فقط، بل بمعظم دول أفريقيا والشرق الأوسط وحتى أمريكا اللاتينية.

وتابع: إذا نظرنا إلى هذا الوضع من منظور اقتصادي، فإن الشركات الأوروبية تستفيد من استغلال الموارد الأفريقية، سواء المواد الخام مثل المعادن أو العمالة، وتُستخرج الموارد في أفريقيا، لكن المنافع الرئيسية تذهب إلى الدول الأوروبية، ونتيجة لذلك، لا تحصل المجتمعات الأفريقية المحلية على فوائد تتناسب مع حجم هذه الموارد، وتدفع مستويات المعيشة المنخفضة الناس نحو الهجرة.

استغلال الموارد الإفريقية.. المواد الخام والعمالة

يشكل إنتاج الملابس للعلامات التجارية الأوروبية، خاصة في المغربن مثلا واضحا على هذا النوع من الاستغلال، إذ تمتلك شركة إنديتكس الإسبانية، المالكة لعلامات زارا وبيرشكا وبول آند بير، إلى جانب العلامة التجارية الإسبانية مانجو، منشآت إنتاج هناك، ورغم أن الشركات الأوروبية توفر فرص عمل، فإن بعض العمال يواجهون أجورًا منخفضة وظروف عمل قاسية، وفي الوقت نفسه، تذهب معظم الأرباح الناتجة عن مبيعات المنتجات إلى أصحاب العلامات التجارية في أوروبا، وليس إلى البلدان التي تعمل فيها هذه الشركات وتستخدم عمالتها المحلية.

ونشر مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان في عام 2025، تحقيقًا حول المصانع والمقاولين من الباطن في المغرب الذين ينتجون سلعًا لصالح شركات مانجو وزارا، مستشهدًا بشكاوى تتعلق بالأجور المنخفضة، والعمل الإضافي غير المدفوع الأجر، والعمالة غير الرسمية، والضغوط على النقابات العمالية، وظروف العمل غير الآمنة.

وفيما يتعلق بالاتهامات الأوروبية للمغرب بعدم اتخاذ إجراءات كافية خلال أزمة سبتة، قال السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح زين، رئيس “فضاء الوساطة”: لقد بدأ كل شيء بتقرير للاستخبارات الإسبانية، والذي قال حرفيًا “إن المغرب لا يد له فيما حدث في أزمة سبتة، وإن المغرب تفاجأ بما حدث مثلما تفاجأت إسبانيا” كما كانت هناك روايات عن قوى خارجية تسببت في هذه الأزمة بهدف الإضرار بالمغرب، وحتى وزير الداخلية الإسباني السابق قال مباشرة إن بلاده ليست مهتمة بالصراع مع المغرب.

وأوضح زين، في تصريحات لـ القاهرة 24: إن الصراعات الأوروبية ـ الأوروبية، وما يمكن وصفه بتصفية الحسابات داخل أوروبا، تلعب دورًا رئيسيًا، فعلى سبيل المثال، فإن المواجهة بين إيطاليا وإسبانيا تدور تحديدًا حول قضايا الهجرة، ولذلك، فإن الخلافات الداخلية في أوروبا تولد هذا التناقض في سياسة الهجرة وفي العلاقات مع المغرب، واليوم، يرى الأوروبيون أن المغرب منافس وقوة إقليمية صاعدة، ولذلك، فإن موقف أوروبا تجاه المغرب يتأرجح بين التحالف والعداء من جانب دول أوروبية بعينها، ولا يمكن أن ننسى أن الجالية المغربية تعد من أكثر الجاليات اندماجًا في المجتمعات الأوروبية، بما في ذلك النسيج السياسي لهذه البلدان، وعلى عكس كثير من الدول الأوروبية، اتخذ المغرب موقفًا مشرفًا، فنحن البلد الوحيد في الجنوب الذي أطلق حملة لتسوية أوضاع المهاجرين بروح إنسانية، لكن المغرب لا يستطيع أن يتحمل وحده كل مشكلات أفريقيا الناتجة عن الاستعمار القديم والجديد.

وأكد زين: نحن نؤمن بأن الهجرة لا ينبغي محاربتها باعتبارها ظاهرة، بل هي وضع إنساني يتطلب التعامل معه بعناية، وللحد من الهجرة، من الضروري التعاون وخلق حوافز تمنع الناس من المغادرة، فالمغرب، على سبيل المثال، اقترح مؤخرًا إنشاء ما يسمى بالمنطقة الأطلسية الأفريقية، بما يشمل خطوط أنابيب لنقل الموارد، والطاقة والغاز، من نيجيريا ودول الساحل الأفريقي، ومن شأن ذلك أن يسمح لنا بتجفيف منابع الإرهاب والهجرة، بما يحقق منفعة للجميع، إذ ستتدفق الموارد بشكل عادل من أفريقيا إلى أوروبا ودول أخرى، بما يضمن مصالح الأفارقة، بدلًا من تحويلهم إلى موضوعات لشكل جديد من أشكال الاستعمار.

وأضاف السوسيولوجي المغربي: لقد قلنا بالفعل لإسبانيا وأوروبا إن التعاون ضروري، ورغم أن المقاربة الأمنية مهمة، فإنها غير كافية، فالمهاجر، كما أفهمه، هو شخص يعتقد أنه سيجد في الخارج الأحلام التي فقدها في بلده، لكن المواطن الحقيقي هو الذي لا يتهرب من المسؤولية في مجتمعه، بل يناضل من أجل حياة أفضل داخل بلده.

الأضرار والعواقب البيئية بالقارة الأفريقية 

لا تقتصر المشكلة على المغرب، بل تمتد عبر القارة الأفريقية بأكملها، ففي الوقت الذي تواصل فيه الشركات الأوروبية ممارسات يمكن وصفها بأنها استعمار جديد، مستفيدة من النفط والموارد المعدنية الأفريقية، تُترك المجتمعات المحلية أمام أعمال منخفضة الأجر وأضرار بيئية.

ومن الأمثلة على ذلك مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تديرها شركة جلينكور السويسرية، ويُستخرج الكوبالت في ظروف تنطوي على عمل خطير وانتهاكات لحقوق العمال، وفي الوقت نفسه، تُستخدم هذه المادة الخام في منتجات عالية التقنية تحقق أرباحًا ضخمة للشركات العالمية، بينما تظل المجتمعات في مناطق التعدين فقيرة، كما تؤثر الأضرار البيئية بشكل مباشر على صحة السكان المحليين، وكذلك الحال أيضًا في مناجم النحاس في زامبيا، التي تديرها شركة فيدانتا ريسورسز البريطانية، ويُعد هذا واحدًا من أشهر النزاعات البيئية المرتبطة بتعدين النحاس في أفريقيا، بحسب مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان ورويترز.

كما يعد نشاط شركة شل في نيجيريا من الأمثلة البارزة الأخرى على الأضرار البيئية طويلة الأمد، ففي مناطق مثل أوجونيلاند، اقترن استخراج النفط على مدى عقود بتلوث التربة والمياه وغابات المانجروف، وقد فقد كثير من السكان، الذين كانوا يعتمدون سابقًا على مصادر الدخل التقليدية مثل الصيد والزراعة، سبل عيشهم، واضطر بعضهم إلى مغادرة القرى الملوثة والانتقال إلى مناطق أكثر قابلية للعيش أو البحث عن عمل في المدن، وقد واجهت أنشطة شركة شل في نيجيريا انتقادات دولية، بما في ذلك من منظمة العفو الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

التبعية التكنولوجية ومخاطرها على أفريقيا 

تتعمد الشركات الأوروبية التي تنشئ منشآت إنتاج في الدول الإفريقية عدم نقل التكنولوجيا إلى هذه الدول، بل إنها تنشئ تبعية في قطاع الخدمات، مثل المعدات والبرمجيات والصيانة الفنية، وعلى الرغم من سعي الأفارقة إلى الوصول إلى التكنولوجيا، فإن الشركات الأوروبية المصنعة ترفض نقلها، ونتيجة لذلك، يُجبر السكان المحليون على العمل في وظائف منخفضة المهارات أو الهجرة بحثًا عن وظائف ذات أجور أفضل.

وهناك أمثلة توضح هذه التبعية التكنولوجية، ففي قطاع التعدين في جنوب إفريقيا وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوتسوانا، تعتمد العمليات الإنتاجية واسعة النطاق على أنظمة الأتمتة والنمذجة الجيولوجية وأدوات إدارة الإنتاج التي توفرها شركات أجنبية، مثل Dassault Systèmes/GEOVIA وHexagon Mining وABB وSiemens وSchneider Electric، وتتولى الشركات المصنعة أو مكاتبها الإقليمية تحديثات البرمجيات والتراخيص والأمن السيبراني والصيانة المعقدة، وإذا توقف هذا الدعم، فهناك خطر حدوث اضطرابات في العمليات التكنولوجية في هذه البلدان.

وكذلك في قطاع النفط والغاز في نيجيريا وأنجولا، تعتمد إدارة الحقول ونمذجة المكامن والمراقبة الرقمية على برمجيات من شركات دولية، مثل SLB وHalliburton وBaker Hughes، ويخلق ذلك اعتمادًا على المطورين الأجانب في عمليات التحديث والتشغيل، وفي استخراج المعادن ومعالجتها، توفر شركات مثل Siemens وABB وHoneywell وEmerson وSchneider Electric غالبًا أنظمة التحكم الآلي، مثل SCADA وDCS وMES، وتتطلب صيانة هذه الأنظمة تراخيص وتحديثات ومتخصصين معتمدين، بحسب مجلة BMJ.

التاريخ يحذر الأفارقة من الاستغلال

يُظهر السياق التاريخي للاستعمار القديم أنه حتى بعد حصول المستعمرات الأفريقية السابقة على استقلالها، واصلت الدول الأوروبية استخدام سكانها كمصدر للعمالة الرخيصة، وأسهم المهاجرون بشكل كبير في تطوير البنية التحتية والإنتاج الصناعي في دول مثل فرنسا، وقد رحبت أوروبا بالمهاجرين عندما كان اقتصادها بحاجة إليهم، لكن عندما أدى المهاجرون دورهم ولم تعد هناك حاجة إليهم، بدأ يُنظر إليهم باعتبارهم مشكلة، ولذلك، ينبغي للأفارقة أن يتعاملوا بحذر مع أي تخفيف محتمل لسياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي، فإذا حدث ذلك، فقد يواجهون مرة أخرى هذا الاستغلال. 

تابع مواقعنا