«نام على الأرض وعاش وسط الجبال 37 سنة».. محمود كفاية «عبد الغفور البرعي» بشرم الشيخ يروي لـ«القاهرة 24» حكاية عمر بدأها عاملًا على عربية مياه وانتهت بأكبر تاجر خردة
من سيارة مياه إلى إمبراطورية خردة، ومن حياة الجبل القاسية إلى قصة يعرفها أهل شرم الشيخ.. حكاية محمود كفاية ليست مجرد قصة تاجر، وإنما حكاية رجل صنع نفسه بالصبر والعمل، وزوجة شاركته أصعب سنوات العمر، وأبناء حصدوا ثمرة هذا الكفاح.
على مدار 37 عامًا، عاش محمود كفاية بين جبال شرم الشيخ، في مواجهة الشمس الحارقة والظروف القاسية وطبيعة الحياة التي لا تعرف الرفاهية. نام على الأرض، وعاش في قلب الجبال، وبدأ حياته العملية عاملًا بسيطًا على سيارة مياه، قبل أن تقوده الصدفة والملاحظة إلى عالم تجارة الخردة.
محمود كفاية يفتح قلبه ويروي لـ«القاهرة 24» تفاصيل رحلة عمر طويلة، بدأت من قرى ميت غمر بمحافظة الدقهلية، حين جاء إلى شرم الشيخ شابًا بسيطًا لا يملك قوت يومه، بحثًا عن فرصة عمل تساعده على مواجهة ظروف الحياة.
من «تبّاع» على عربية مياه إلى جامع خردة
بدأ محمود عمله «تبّاعًا» على سيارة مياه، وفي الوقت نفسه شارك في أعمال الإنشاءات التي كانت تشهدها شرم الشيخ خلال تلك الفترة.
وبينما كان يتنقل بين مواقع إنشاء الفنادق، لاحظ كميات كبيرة من الخردة التي كان يتم التخلص منها وإلقاؤها في الجبال.
هنا جاءت الفكرة.
فكر محمود كفاية في ترك العمل على سيارة المياه والاتجاه إلى جمع الخردة، بعدما أدرك أن هذا العمل يمكن أن يحقق له أرباحًا أكبر من الأجر الذي كان يحصل عليه.
فى البداية لم يكن يمتلك رأس مال كبيرًا، ولم يكن أمامه طريق ممهد للنجاح، لكنه امتلك الإرادة، حيث بدأ يجمع الخردة من مواقع العمل، ثم يبيعها، ويعيد استثمار ما يحصل عليه من أموال في شراء وجمع المزيد. ومع مرور الوقت، بدأت الأموال تتدفق إليه تدريجيًا، وتحول العمل البسيط إلى تجارة، والتجارة إلى مشروع كبير.
وبين منطقة وأخرى، ووسط جبال شرم الشيخ، واصل محمود رحلته حتى استقر به الحال في منطقة الخردة الرويسات، حيث أصبح اسمه معروفًا في مجال تجارة الخردة.
37 سنة بين الجبال فلم تكن سنوات الجبل سهلة على الإطلاق.
لم تكن الحياة سهلة وسط الجبال وقسوتها كانت مختلفة تمامًا؛ حرارة شديدة في الصيف، وظروف معيشية صعبة، وطبيعة جبلية قاسية، إلى جانب ساعات طويلة من العمل والبحث عن الرزق والتحدى لكل هذه الظروف يومًا بعد يوم، فالجبل لم يكن مجرد مكان للعمل، بل أصبح جزءًا من حياته.
نام على الأرض، وعاش في ظروف بدائية، وتحمل قسوة الحياة، لكنه لم يفكر في العودة إلى نقطة البداية.كان يرى أن كل يوم من التعب يقربه خطوة من الحياة التي يحلم بها لأسرته.
«أم آية».. شريكة الكفاح
وخلف قصة محمود كفاية، كانت هناك امرأة لم تكن مجرد زوجة، وإنما كانت شريكة حقيقية في رحلة العمر والكفاح.
زوجته «أم آية»، ابنة الصعيد، شاركته أصعب سنوات حياته، وعاشت معه وسط الجبال، وتحملت الظروف المعيشية القاسية، وكانت تعمل إلى جواره وسط الرجال، وتواجه قسوة الحياة بكل قوة.
لم تكن حياتهما سهلة، لكنهما تمسكا ببعضهما وبأمل أن تتحول سنوات التعب إلى مستقبل أفضل لأبنائهما.
وفي قلب هذه الحياة القاسية، كبرت الأسرة، وأصبح لكل ابن قصة ونجاح يمثل امتدادًا لما بذله الأب والأم طوال سنوات الكفاح.
حصلت ابنتهما الكبرى «آية» على ليسانس الحقوق، بينما حصل «مصطفى» على دبلوم صنايع وأصبح يشارك والده في العمل، في حين تواصل ابنتهما الصغرى «ماجدة» دراستها في هندسة الطيران.
أبناء حملوا ثمرة الكفاح
لم يكن حلم محمود أن يصبح مجرد تاجر كبير، وإنما كان حلمه الأكبر أن يرى أبناءه يعيشون حياة أفضل من تلك التي عاشها.
ومع مرور السنوات، بدأ يرى ثمرة تعبه أمام عينيه.
تزوج أبناؤه، وأنجبوا أبناءهم، وأصبح للأسرة جيل جديد يحمل ثمار رحلة طويلة بدأت من الجبل، ومن حياة لم يكن فيها الكثير سوى العمل والصبر.
رحيل «أم آية».. الصدمة التي كسرت الرجل الذي لم تكسره الجبال
لكن رحلة الكفاح لم تكتمل كما أراد محمود رحلت «أم آية» عن الحياة، وكانت وفاتها الصدمة الأكبر في رحلة الرجل الذي واجه الجبال ولم تستطع قسوة الحياة أن تكسره.
فقد محمود شريكة عمره، ورفيقة سنوات الفقر والتعب والعمل، المرأة التي وقفت إلى جواره في أصعب الأيام وعاشت معه تفاصيل رحلة امتدت لعقود، فرحلت «أم آية»، لكنها تركت وراءها أبناءً وأحفادًا، وذكريات لا تزال حاضرة في قلب زوجها. ورغم الألم، لم يستسلم محمود، وواصل العمل ليلًا ونهارًا، محاولًا أن يكمل الطريق الذي بدأه معها، وأن يحافظ على ما بنياه طوال سنوات العمر.
«عبد الغفور البرعي شرم الشيخ ».. لقب التصق باسمه
مع مرور السنوات، أصبح اسم محمود كفاية معروفًا في عالم الخردة بشرم الشيخ، حتى أطلق عليه العاملون وأهل المهنة لقب «عبد الغفور البرعي»، بسبب ارتباط اسمه بتجارة الخردة وقصة كفاحه الطويلة.
37 عامًا من الشقاء بين الجبال، بدأت بعربية مياه، ثم جمع الخردة، ثم تجارة أصبحت واحدة من أبرز تجارب النجاح التي عرفتها المنطقة.
لم تكن البداية سهلة، ولم يكن معه رأس مال كبير، ولم تكن الحياة تمنحه الكثير، لكنه لم ينتظر أن تأتيه الفرصة.. بل صنع فرصته بنفسه.
واليوم، لا يزال محمود كفاية واقفًا وسط الجبال التي شهدت بداية حكايته، يتذكر سنوات طويلة من التعب والعمل، وزوجة رحلت بعدما شاركته رحلة العمر، وأبناء كبروا وتزوجوا وأنجبوا، وحياة بدأت بالفقر وانتهت بثمرة كفاح طويل.
بالصبر والكفاح صنع لنفسة اسما تذكرة الأجيال القادمة
من عامل على عربية مياه إلى تاجر خردة، ومن رجل نام على الأرض إلى صاحب اسم يعرفه أهل المهنة.. تبقى حكاية محمود كفاية واحدة من الحكايات التي تؤكد أن الإنسان قد يبدأ من أصعب نقطة، لكنه يستطيع بالصبر والعمل أن يصنع لنفسه ولأسرته طريقًا جديدًا.


